لبنان: بعد الحكومة… حقيقة الأزمة

عبدالوهاب بدرخان: لبنان: بعد الحكومة... حقيقة الأزمة

  • 20 يوليو 2008

عشية الذكرى الثانية لحرب صيف 2006، وُلدت الحكومة اللبنانية الجديدة بعد مخاض عسير. ويُفترض أنها حكومة "وحدة وطنية"؛ لأن جميع الأطراف مشاركة فيها، من المعارضة والأكثرية الحكومية. غير أن جلوس الجميع إلى طاولة مجلس الوزراء لا يعني أن وفاقاً قد تحقق، بل يعني أن الخلافات التي تسببت بأزمة دامت سنة ونصف السنة وشلت الدولة ستنتقل إلى هذا المجلس. لذلك فإن الخطوة التالية، المرتقبة بإلحاح، ونص عليها "اتفاق الدوحة"، هي الشروع في الحوار الوطني.

وقد تُركت الدعوة إلى هذا الحوار لرئيس الجمهورية الذي انتخب بالتوافق، ولم يكن له منافس. والواقع أن حواراً ذا صدقية ومجدياً ينبغي أن يستند إلى تشخيص دقيق للأزمة. والأهم أن التوافقات التي يمكن أن يتوصل إليها هذا الحوار يجب أن تُحترم. وبما أن "اتفاق الدوحة" حل مشكلة القانون الذي ستجري على أساسه الانتخابات المقبلة في ربيع 2009، فإنه أزاح عقبة من أمام الحوار. وهكذا فإن الحوار مدعو لأن يركز على مسألة السلاح، كل سلاح موجود خارج إطار الجيش اللبناني.

لا شك أن أحداث الأسبوع الأول من مايو/ أيار الماضي (2008) تركت، عدا الجروح النفسية، انطباعاً عاماً بأن النظام نفسه هو المستهدف، وأن الدولة نفسها مرفوضة، أما الجيش وهو عماد النظام والدولة فجرى تهميشه ووضعت وحدته على محك خطير. وهناك شكوك جدية لدى فريق كبير من السياسيين بأن الهدف الحقيقي للأزمة كان "اتفاق الطائف" والصيغة التي بلورها للحكم بعد حرب أهلية أنهكت البلد والشعب واستمرت من عام 1975 إلى عام 1989.

والواقع أن "اتفاق الطائف" كان قد قُبل في وقته؛ لأن التوافق مع السعودية كان من ثوابت النظام السوري وأساسياته؛ ولأن سورية أُعطيت إمكان مصادرة الاتفاق والإشراف على تطبيقه. وبالتالي فإن النظام الذي خرج من حوارات الطائف كانت سورية هي التي صنعته بمعاييرها وشروطها، وبقبول دولي وعربي؛ لأن الدولة اللبنانية كانت قد انهارت تحت وطأة الميليشيات المسلحة. ومع أن "اتفاق الطائف" كان ينص على الانسحاب السوري، فإن سورية حرصت على ألَّا يتوافر للبنان أي حكومة يمكن أن تطالبها بالانسحاب. وإذا كانت سورية أشرفت أيضاً على بناء الجيش، فإنها حرصت كذلك على تقييده بثلاثة شروط: أن يخضع لعقيدة واستراتيجية ترسمها دمشق للبلدين، وأن يبقى محدود التسلح، وأن يلتزم التنسيق مع "حزب الله" أو "المقاومة".

لم تكن هنا خلافات مستعصية على الحل سياسياً بين سورية ورئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، إلا أن مشروع القرار الدولي الذي حمل فيما بعد الرقم 1559 شكل شرخاً بين الطرفين. فالقرار لا يطلب فقط الانسحاب السوري، وإنما يطلب أيضاً نزع سلاح "حزب الله". أي إنه يضرب الاستراتيجية السورية في العمق، خصوصاً أنه يبدأ بنزع التغطية الدولية للوجود السوري في لبنان. ومعروف أن دمشق حملت الحريري مسؤولية التغطية اللبنانية للقرار 1559.

لذلك اختارت سورية التمديد للرئيس السابق إميل لحود عام 2005، وكأنها تمدد لوجودها بعد الانسحاب. ولذلك أيضاً برز "حزب الله" في الأعوام الثلاثة الأخيرة، لا كـ"مقاومة" للاحتلال الذي لم يعد موجوداً في جنوب لبنان (باستثناء مزارع شبعا)، وإنما كطرف سياسي مصمم على لعب دور داخلي يوازي ويساوي دوره في التحرير وفي استمرار المواجهة مع إسرائيل. وبذلك استعاضت سورية عن دورها السابق بتفعيل قطب داخلي -وتوريطه أيضاً- ليلقي بظلال كثيفة على النظام -نظام "الطائف"- واحتمالات استمراره. وساهم في ذلك أن الوفاق "التاريخي"، السوري-السعودي، سقط لمصلحة التحالف السوري-الإيراني.

لعل الهزة القوية التي تعرض لها النظام اللبناني، خلال الأزمة الأخيرة، أرادت أن تبرهن أن ثمة تغييراً حان موعده، إن لم يكن بالتوافق فبالقوة. وقد جُربت القوة واختُبرت. وإذا كان "اتفاق الطائف" اعتـُبر في بعض التحليلات أنه بُني على خسارة المسيحيين، خصوصاً الموارنة، في الحرب الأهلية، فإن التحليلات لم تنتظر هذه المرة؛ لأن القوى التي استخدمت السلاح، وعلى رأسها "حزب الله" أعلنت قبل "اتفاق الدوحة" وخلال الحوار الذي أدى إليه وبعده أنه بُني على خسارة السنـّة. وكما اعتُبر السنـّة الرابح الرئيسي في "الطائف"، فإن الشيعة يكونون الرابح الأساسي في "الدوحة". ولكن "المكسب" السنـّي أتيح له أن يظهر، ولعله أخذ حجمه وفرصته مع الراحل الحريري. أما "المكسب" الشيعي فربما تمثل بحصول المعارضة على حق الفيتو، أي الثلث المعطل داخل مجلس الوزراء.

هذا يضمن لـ"حزب الله" على الأقل أن حكومة بهذه التركيبة ولا يسيطر عليها كلياً، لن تتمكن أبداً من اتخاذ أي قرار يتعلق بـ"سلاح المقاومة"، أي بسلاح الحزب نفسه طالما أن "المقاومة" لم تعد متاحة، وأساساً لم تعد تتمتع بإجماع ولا توافق بين اللبنانيين. لكن مثل هذا "المكسب" لا يبدو أنه يكفي لملاقاة طموحات "حزب الله"، وطالما أن مكسبه الحقيقي لم يتضح فإنه سيبقى ساهراً على إبقاء الأزمة قائمة، مستخدماً "حكومة الوحدة الوطنية" كغطاء يُرضي الخارج شرط أن لا يقترب أحد من "دولته" التي لن يتخلى عنها وسيبقيها "فزّاعة" للدولة نفسها ولمؤسساتها. ولن يكون "حزب الله" معنياً باستنباط "صيغة طائف" جديدة بل سيعمل على فرض الصيغة التي تناسبه، مستنداً إلى كون حليفه الأبرز مارونياً هو ميشال عون الذي يكنّ عداء مرضياً لـ"صيغة الطائف".

على الرغم من أن مشكلة سلاح "حزب الله" هي محور الأزمة الحقيقية في لبنان، خصوصاً لأنها تحول دون انطلاقة جيدة للاقتصاد والتنمية، فإن "الحوار الوطني" الموعود لن يتوصل إلى حل لها؛ فلا الدولة، ولا الطبقة السياسية، ولا الرأي العام مهيأ للبحث في حل أو لإنتاج حل خلاق وسلمي لهذه المشكلة. وبديهي أن المداخلات الخارجية، وبالأخص الأمريكية والإسرائيلية، وكذلك السورية والإيرانية من موقع مختلف، لا تسهل عملياً الوصول إلى "حل وطني". وإذا وجد، بما يشبه الأعجوبة، فإنه يستلزم سنوات لتطبيقه، وأساساً لن يكون هناك حل للسلاح إلا إذا اقترن بـ"تعويض" أو "ترضية" سياسية لتمريره.

لقد استطاعت سورية أن تبرهن أنها انسحبت من "دولة ضعيفة" غير قابلة للوجود والفعل من دون "وصاية"، أي من دونها. كما استطاعت أن تضع أمام اللاعبين الدوليين والإقليميين، ولاسيما إسرائيل والعرب، خياراً صعباً: إما سورية وإما حزب الله؛ فإذا لم تكن عودتها واردة، بشكل أو بآخر، فإن البديل هو ما شهده لبنان طوال أعوام غيابها. وإذا كان لإسرائيل أن تختار -وهي في خضم التفاوض مع سورية- فلا بد أن خيارها واضح؛ إنها تفضل التعامل مع سورية على الغرق في وحول الانزعاجات اللبنانية.

لا شك أن حكومة جديدة، ولو بمشاركة الجميع، ليس من شأنها أن تقنع اللبنانيين بأن الدولة عادت، وعادت بقوة. نعم، هي عادت، لكن حمولات الأزمة جعلتها ضعيفة وغير قادرة على بسط سلطتها؛ لأن الانقسامات مستمرة كانعكاس للصراع الإقليمي الدولي وتفرعاته الإيرانية والعراقية والفلسطينية. لذلك نجد إلى جانب الأمل انكفاء لدى المسيحيين والمسلمين السنـّة، كما نشهد صعوداً واضحاً لأماني الانفصال والتقسيم ولو بصيغة فيدرالية؛ فكل طرف يرغب في أن يختار نمط الحياة الذي يريده، وخصوصاً نمط "الحماية" أو "الوصاية" التي تريحه. 

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات