لبنان … الاستقلال الجديد يحتاج إلى تسوية جديدة

د. بشارة نصار شربل: لبنان ... الاستقلال الجديد يحتاج إلى تسوية جديدة

  • 5 ديسمبر 2005

"وضع لبنان مقلق ولكنه ليس خطيراً". بهذه العبارة يمكن اختصار مرحلة حساسة تمر بها الجمهورية اللبنانية، التي عرفت منذ استقلالها في العام 1943 مراحل صعبة وخطيرة كانت تخرج منها مثخنة بالجروح، لتجدد تسويات بين مكونات المجتمع اللبناني السياسية والطائفية، ولتحاول إعادة توكيد مشروعية وطن اسمه لبنان لا يرتبط وجوده فقط بوحدة وسلامة أراضيه والسيادة عليها وإقامة الدولة ذات السلطة المطلقة، بل بمشروع نموذجي في الشرق الأوسط والشرق عنوانه القدرة على التعايش المتنوع في مناخ حرية وديمقراطية هما من صلب مبررات وجود هذه الدولة، وليستا رفاهية أو خياراً.

إنها محطات مليئة بالعبر في حياة وطن لا يزال يبحث عن تسوية تاريخية بين بنيه. بدأت بشعار "لا شرق ولا غرب" الذي ارتضاه الاستقلاليون الأوائل حين توافقوا على رفض المسيحيين الانتداب الفرنسي والحماية الأجنبية في مقابل تخلي المسلمين عن مطلب الوحدة العربية أو السورية، وترجمت بصيغة "لبنان ذو وجه عربي" التي تكرست في دستور الاستقلال الأول، حين أدركوا حكمة "نفيان لا يصنعان أمة". لكن الصدمة جاءت في "ثورة 1958" التي أطاحت عهد الرئيس كميل شمعون المؤيد لـ"حلف بغداد". ثم كانت مأساة "الحرب الأهلية-الإقليمية" التي اندلعت في العام 1975 وسميت "حرب السنتين"، ولعب فيها الفلسطينيون دوراً أساسياً. بعدها تناسلت هذه الحرب حروباً داخلية واجتياحاً إسرائيلياً وأدت إلى تفكك أوصال الدولة في لبنان.

أفضت هذه المآسي في العام 1989 إلى "اتفاق الطائف" الذي صار دستوراً مؤكداً أن "لبنان عربي"، وأن السلطات موزعة بالعدل بين الطوائف، وأن دولة المؤسسات هي البديل عن الميليشيات ومشاريع الفدرلة أو الضم أو التقسيم. وللمرة الأولى في تاريخهم اجتمع اللبنانيون على تصنيف واحد للعدو ينطبق فقط على إسرائيل.

تتوج الأحداث الكبيرة والمتلاحقة والمكثفة التي حصلت في العام 2005 في لبنان وقبل ذلك بشهور مرحلة القلق الوطني العام، وتخرج الأزمة الوطنية التي ظن اللبنانيون أنها انتهت بتوقيع "اتفاق الطائف" إلى العلن مرة أخرى، وتضع السلم الأهلي البارد الذي عاشه اللبنانيون منذ الاستقلال أمام اختبار جديد وغير مسبوق بتغير الظروف الموضوعية وانطلاق دينامية ذاتية في المجتمع اللبناني تحت صدمة حدثين ضخمين: الأول هو اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري، والثاني هو انسحاب الجيش السوري من لبنان بعد إقامة دامت نحو ثلاثة عقود أمسكت من خلالها دمشق، بتفاوت وعلى مراحل، ورقة الفلسطينيين وورقة المقاومة وورقة مصير لبنان الدولة والكيان والمؤسسات.

لم تكن سورية لتخرج من لبنان بالشكل الذي حصل في نيسان/أبريل 2005 تحت وطأة تظاهرة ضمت ثلث اللبنانيين وضغط دولي هائل وقرارات صادرة عن مجلس الأمن، لولا أن "الجمهورية الثانية" التي رعتها منذ العام 1990 أسست لهذا النوع من الأحداث عبر هيمنة نظام أمني قوَّض الحريات، واستتبع أهل السياسة والرأي، وأرسى فساداً أساء لسورية بقدر إساءته إلى لبنان. هذه الجمهورية غطت مساوئها على مدى عقد من السنين، بين 1990 و2000 بمعركة تحرير الجنوب، فاستغلت دعمها للمقاومة ضد إسرائيل لتبرر إلغاءها الديمقراطية مهمشة أطرافاً أساسيين عبر النفي أو السجن، ومتصدية في الآن نفسه لمشروع الرئيس رفيق الحريري لإعادة إطلاق عجلة الاقتصاد، وإعادة دور لبنان العربي والدولي.

كانت محطة تحرير الجنوب في أيار/مايو من العام 2000 نقطة أساسية في تطور الأحداث السياسية في لبنان. إذ بعدها مباشرة بدأت ترتفع الأصوات مطالبة بجدولة الانسحاب السوري وفقاً لاتفاق الطائف، لإعادة بناء الدولة المستقلة الكاملة الأركان، لكن هذا المطلب بقي ضعيف التأثير، واستأسدت الطبقة السياسية الحاكمة في مقاومته حتى بدأت رياح التغيير تهب على المنطقة بعد جريمة 11 سبتمبر/أيلول 2001، التي مهدت للحرب العالمية على الإرهاب ولاحتلال العراق.

بقي لبنان يغلي، وصار التجاذب الداخلي حول استعادة القرار الوطني انقساماً حاداً، فيما "استصدر" المعارضون اللبنانيون للوجود السوري قراراً من الكونجرس الأمريكي تحت عنوان "محاسبة سورية واستعادة سيادة لبنان"، شكل مرتكزاً للضغط الخارجي، وسمح للداخل بالتحرك على أمل إحداث تغيير.

لم تقرأ دمشق التطورات الحاصلة في المنطقة والوجود الأمريكي العسكري على حدودها والمطالب الأمريكية منها فيما يتعلق بالعراق وبفلسطين وبإجراء تغييرات داخلية إلا بصفتها ضغوطاً تمارس على ممانعة النظام، وحملة غربية تستهدف المنطقة لتركيعها وجعلها ترضخ للحل السلمي الذي يؤمن مصالح إسرائيل. وانطلاقاً من هذا التحليل تمسكت دمشق بسياستها اللبنانية ولم تعر التوافق الأمريكي-الفرنسي المستجد انتباهاً، وهو التوافق الذي وجد في لبنان فرصة للاختبار بعد الافتراق في شأن العراق. وهكذا اعتبرت دمشق القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن، والمطالب إياها بعدم التدخل في انتخابات الرئاسة اللبنانية وبالانسحاب من لبنان، "تافهاً"، وقررت الرد بدفع "التمديد" للرئيس إميل لحود إلى واجهة الأحداث، الأمر الذي جعلها تصطدم بثلاث طوائف من أربع كبرى في لبنان، هي المسلمون السنة والدروز والمسيحيون، في حين بقيت الطائفة الشيعية على ولائها المتشدد لها.

شكل اغتيال الرئيس الحريري نقطة خطرة في موضوعين مترابطين:

1- مستقبل العلاقة بين المجتمع الدولي وسورية.

2- مستقبل الدولة في لبنان وسلمها الأهلي.

تبدو دمشق في وضع شديد الحرج. فالمطالبة بـ"الحقيقة" في جريمة الاغتيال استتبعها تشكيل لجنة تحقيق دولية تطالبها باستجواب ضباط سوريين مشتبه فيهم، في وقت وجَّه فيه التقرير الإجرائي الذي أعلنه المحقق الدولي ديتليف ميليس أصابع الاتهام إلى النظام الأمني اللبناني-السوري المشترك. هذا الموضوع يضع سورية أمام مأزق قال الرئيس بشار الأسد إنه يجعله أمام خيارين: الفوضى أو المقاومة، وهو اختار المقاومة "لأن كلفتها أقل".

كيف ينعكس هذا الوضع على السلم الأهلي في لبنان؟

كانت تظاهرة "14 مارس/آذار" التي صنعت ما سُمِّي في لبنان "الاستقلال الجديد"، تظاهرة تاريخية أرادت القوى السياسية الشيعية الأساسية في البلاد، والتي تستأثر بالتمثيل الشيعي، إخراج نفسها منها، بل على العكس وقفت على نقيضها مطالبة ببقاء الجيش السوري. هذا الوضع تسبب بشرخ وطني كبير نجحت الانتخابات النيابية جزئياً في تقليصه، ثم نجح تشكيل حكومة توافقية يشارك فيها "حزب الله" في منعه من الاتساع. لكن اقتراب موعد الاستحقاقات في شأنين، الأول هو نزع سلاح الميليشيات، والمقصود هنا سلاح "حزب الله"، حسب القرار 1559، والضغط على سورية عبر لجنة التحقيق، يعاود الضغط بقوة لتوسيع الشرخ الوطني. فالشيعية السياسية متمسكة بالسلاح وتربط مصيرها بمصير النظام السوري، في حين أن سائر القوى السياسية والطائفية الأخرى في لبنان تعتبر ذلك عقبة أساسية في طريق الوصول إلى "الحقيقة" في جريمة الاغتيال، وعقبة أساسية أيضاً في وجه استعادة الدولة اللبنانية سلطتها على كامل أراضيها وحقها في احتكار السلاح. ويأتي الدعم الذي يقدمه "حزب الله" لبقاء السلاح الفلسطيني مشرعاً في لبنان ليزيد من حدة الانقسام.

من اليوم وحتى تنجلي تطورات علاقة لجنة التحقيق بسورية ستكون أمام لبنان أيام صعبة تؤثر – إذا لم يقرر "حزب الله" الاصطفاف ضمن مشروع الدولة الجديد – في سلمه الأهلي وتعايش طوائفه. والمسألة شديدة الخطورة كون أي توتر داخلي أو مشروع "مقاومة للهجمة الخارجية على المنطقة" يعرض "الحقيقة" للطمس، ويعرض لبنان لفتنة مذهبية لا تحمد عقباها.

يراهن اللبنانيون اليوم على حوار داخلي يجري بين كل الفرقاء من جهة، وبين الشيعية السياسية من جهة أخرى، هذا الحوار يفترض أن يبدأ من مسلمة عدم اللجوء إلى العنف أو إلى السلاح، لينطلق بالبحث عن معادلة جديدة تطمئن المقاومة الى أن نزع سلاحها لا يعني إلغاء روح المقاومة، ويطمئن سائر الآخرين الى أن أي سلاح لن يكون موجهاً إلى الداخل اللبناني. إنها معادلة صعبة، لكنها يمكن أن تدخل أيضاً في إطار تسوية تاريخية جديدة، واحدة مع سورية تضمن علاقة دولة بدولة ضمن سيادة كل منهما، وواحدة بين اللبنانيين تؤكد أن "الاستقلال الجديد" يحتاج إلى تسوية جديدة وتاريخية أيضاً. تسوية بين النزعة الاستقلالية السيادية وبين تأكيد الانتماء إلى المصير القومي مهما تنوعت أشكال هذا المصير. من دون ذلك سيبقى السلم الأهلي عرضة للاهتزاز وستبقى "دولة الاستقلال" مشروعاً غير قابل للتطبيق.</P>

Share