لبنان: إلى متى الفراغ الرئاسي؟

بشارة نصار شربل: لبنان: إلى متى الفراغ الرئاسي؟

  • 22 يناير 2015

لم يعد مستغرباً أن يسأل مواطن لبناني مواطناً آخر: لماذا يُنتخب رئيس، ألا ترى أن الأمور تسير وكأن "الرب راعيها" ولا حاجة للبلاد إلى رأس يدير الدولة فيها؟

هل اعتاد اللبنانيون غياب رئيس؟ أم كان وجوده لزوم ما لا يلزم؟ فالأزمة الدستورية مستمرة منذ أكثر من ثمانية أشهر ولا يبدو أن شعباً ثار رفضاً للانتهاك الدستوري وتعطيل الانتخابات، ولا طائفة أعلنت العصيان استنكاراً لغياب ممثلها الأول في الجمهورية حسب النصوص والأعراف.

ليست المرة الأولى التي يتم فيها تعطيل انتخاب رئيس ماروني للجمهورية مع انقضاء مهلة الرئيس السابق، لكن أن يغيب رئيس الجمهورية عن رأس السلطة في بلد يقوم على توازن طائفي دقيق وفي ظرف إقليمي صعب، أمر ليس سهلاً ولا هو بلا انعكاسات، إذ يفتح الباب اليوم على شهية تعديل الدستور أو على الدعوات المشبوهة إلى "مؤتمر تأسيسي" يعيد توزيع المغانم والحصص بين الطوائف والمذاهب، ودائماً على أخطار الاحتكاك الأهلي في زمن تصاعد المشاعر المذهبية في كل مكان من الإقليم.

يُحسد اللبنانيون على أي حال على الهدوء النسبي الذي تمكنوا من الحفاظ عليه على مدى أربع سنين من الحرب السورية المستعرة على حدودهم والتي قسمتهم إلى مؤيد لهذا الطرف السوري أو ذاك، بل إلى متدخل في الحرب وعائد "شهيداً" بالنسبة إلى فريق وقتيلاً مجرماً بالنسبة إلى فريق آخر. فعشرات القتلى والمخطوفين، على أهميتهم، لا يزالون أقل من دق ناقوس الخطر أو من إعلان التدهور الشامل للأوضاع والاستسلام إلى وجوب الوفاق إنقاذاً للدولة من الضياع.

أثبتت القوى السياسية اللبنانية فعلياً أنها أعجز من أن تقود البلاد إلى شاطئ الأمان. ولئلا نقع في فخ التعميم المسيء، لا بدَّ من التمييز بين قوى "14 آذار" التي تدعو إلى التزام الدستور والذهاب إلى مجلس النواب لانتخاب رئيس، وبين قوى "8 آذار" الحليفة لدمشق وطهران والتي تعطل النصاب تحت تفسيرات للدستور لا تنطبق على أي ممارسة ديمقراطية برلمانية، بل تغرف من الظروف الاستثنائية ومن ميزان القوى لتعبئ خطاب الامتناع عن انتخاب رئيس إلا إذا تم التوافق خارج البرلمان على شخص واحد، هو الجنرال النائب ميشال عون.

لا تفتقد البلاد مرشحين، لكن مواصفات المرشح للرئاسة لطالما كانت تسوية بين الجميع. فالجنرال عون طرف حليف لـ"حزب الله" ومؤيد للنظام السوري ومعادٍ لمحور الاعتدال الذي تقوده المملكة العربية السعودية، فكيف يمكن أن يجمع عليه النواب وأن يحولوه إلى رئيس وفاقي؟

عقدة عون تتحكم بالمسار الرئاسي. فالمرشح سمير جعجع أبدى استعداده للانسحاب والبحث في اسم توافقي. وحليفه سعد الحريري دعا علناً إلى توافق ينسحب على إثره جعجع رفيق دربه في "انتفاضة الاستقلال". لكن "حزب الله" مصرّ على انتخاب عون "وفاء للرجل" الذي وقف معه في احتلال بيروت في عام 2007 والذي غطى تدخله العسكري في سوريا إلى جانب بشار الأسد، والذي شيطن السُّنة اللبنانيين واعتدالهم النموذجي على مدى سنوات.

يعلم اللبنانيون مثلما بات يعلم السياسيون كلهم أن غياب الإرادة الوطنية في التوافق يفتح الباب أمام التدخل الخارجي. وهو عموماً غير سلبي ولطالما ساهم في فك العقد والوصول إلى حلول. ويذهب بعضهم إلى التأكيد أنه سيحدث في الرئاسة الأولى مثلما حدث يوم تشكيل الحكومة الحالية. فبعد تسعة أشهر من تعطيل التشكيل أقنع الفرنسيون طهران بعد أخذ موافقة الرياض بضرورة تجنب تدهور خطير في لبنان لا يفيد أحداً، بل يزيد العبء على الأطراف الإقليمية والمجتمع الدولي. فصدرت أوامر الملالي لـ"حزب الله" بتسهيل تشكيل حكومة تمام سلام.

تكرار السيناريو غير مستحيل. فالفرنسيون لا يزالون، بالتنسيق مع المملكة السعودية، هم الوسيط الذي يضمن "14 آذار"، فيما أصبحت طهران هي الوكيل المعتمد لقوى "8 آذار" بعدما تحولت دمشق إلى ورقة من أوراق جمهورية خامنئي.

يجري اليوم في بيروت حوار بين "تيار المستقبل" و"حزب الله"، استعاد الطرفان خلاله تواصلاً انقطع في عام 2009 حين أسقط الحزب وحليفه عون حكومة سعد الحريري لحظة دخوله إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس الأمريكي. عنوان هذا الحوار تخفيف الاحتقان السني–الشيعي، لكن جوهره يتناول حتماً تقريب وجهات النظر في شأن الملف الرئاسي ليتمكن الفريقان حين تزف ساعة القرار الدولي – الإقليمي من دفع حلفائهما المسيحيين إلى التوافق على رئيس.

أما الحوار الموعود بين السياسيين اللدودين جعجع وعون، فإن الآمال المعقودة عليه برأب الصدع المسيحي توصلاً إلى انتخاب رئيس، أكبر من الوقائع، وأكبر من حجم الطرفين في التأثير في المعادلة اللبنانية والقرارات المصيرية.

يبقى أن أي حوار بين الأطراف اللبنانيين إيجابي. صحيح أنه لا يستطيع حسم المواضيع الجوهرية في ظل ارتباط "حزب الله" بإيران، واستمرار تورطه العسكري في سوريا، وامتلاكه ترسانة من الصواريخ وآلاف المسلحين الجاهزين.

متى يُنتخب رئيس؟ حين يشعر "حزب الله" أنه لن يُنتخب رئيس "توافقي" يشبه الرئيس ميشال سليمان الذي انتفض في السنوات الأخيرة على الوصاية السورية وعلى معادلة "الجيش والشعب والمقاومة" التي وصفها بأنها "خشبية"، والتي تمكن في ظلها "حزب الله" من السيطرة على الدولة اللبنانية وتشكيل دولة موازية لها. متى ينتخب رئيس؟ حين تتأكد طهران أن حصتها في الرئيس الجديد تضمن لها أن يمتنع عن المطالبة برفع يدها عن لبنان، وأن يتعاطى مع السياسة بوصفها "ميزان قوى" وليس تقاليد وأعرافاً ودستوراً ومصلحة وطنية عليا. متى ينتخب رئيس؟ حين يشعر كل فريق بأن تمسكه بموقفه بات يشكل خسارة له ولما يمثل، وأن فائدة الانتخاب أفضل من فوائد التعطيل.

سيحين الوقت، لكنه ليس بقريب.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات