لبنان… أزمة مُدوَّلة مفتوحة على مجهول- معلوم

  • 18 يناير 2011

هل يتجه لبنان إلى الفوضى المنظمة، أم إلى المجهول الذي لا يعلم مآله إلا العالمون بالغيب والضاربون في الرمل، أم هل تستفيق القوى السياسية المتصارعة فجأة على صحوة ضمير استثنائية تعيد وصل ما انقطع وتفتح أبواب الحوار لتظهر ضوءًا في نهاية النفق؟

أسئلة تطرح، ومثلها أسئلة أخرى طُرحت غداة تقديم وزراء قوى 8 آذار/ مارس اللبنانية المدعومة من سورية وإيران استقالاتهم في 12 يناير مسقطين حكومة "الوحدة الوطنية" التي يرأسها سعد الحريري ومعها مفاعيل "اتفاق الدوحة" الذي عُقد في العام 2008 إثر "غزوة بيروت" التي قامت بها هذه القوى "دفاعاً عن السلاح بالسلاح".

ما الذي حصل؟ ولماذا اضطر وزراء "الأقلية النيابية" الذين تمتعوا بحق النقض في الحكومة خلافاً للأعراف الديموقراطية والتقاليد، إلى قلب الطاولة؟

الجواب صعب وبسيط، لكنه واضح. إنها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والتي كان القرار الاتهامي المنبثق عن المدعي العام فيها، على وشك الصدور.

من أجل ذلك وتحت عنوان وجوب إحالة مجلس الوزراء اللبناني ما سُمّي "شهود الزور" إلى القضاء العدلي اللبناني لخلق آلية قضائية موازية للمحكمة الدولية وعرقلة عملها، وإزاء رفض قوى 14 آذار/ مارس الخضوع لهذا الطلب الذي كان من شأنه الانقلاب على التزامات لبنان إزاء المجتمع الدولي ومجلس الأمن الذي أصدر قراره بإنشاء المحكمة الخاصة بلبنان تحت الفصل السابع "لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب"، لم يجد وزراء "المعارضة" المتحكِّمة بالحكومة والحاكمة للشارع بقوة السلاح والمختطفة قرار الحرب والسلم من الشرعية اللبنانية، إلا اللجوء إلى خيار فرط الحكومة تحت راية العمل الدستوري الديموقراطي بهدف مواجهة القرار الاتهامي الذي اعتبره "حزب الله" إسرائيلياً– أمريكياً    ومعلَّباً لاستهداف عناصره واتهامها بالاغتيال. وهو تقييم توَّجَه مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي بتصريح يحمل سمات الفتوى برفض القرار استناداً إلى التوصيف نفسه.

وإذ تسود قناعة بأن "النوبة" الديمقراطية السلمية التي ضربت فجأة المعارضين الذين قرروا استخدام أسلوب الاستقالة الشرعي ليست من شيم هذه القوى التي تؤمن بالعنف والقضم والهضم، فإن الواضح هو أن التوازنات الدقيقة في لبنان والخشية من اندلاع صراع مذهبي سني- شيعي ووجود حد أدنى من مؤسسات الدولة اللبنانية من جيش وقوى أمن ورئاسة جمهورية يصعب عليها التفرج على استباحة أمن الناس، هي التي جعلت "الخطة المتدحرجة" التي تحدثت عنها المعارضة منذ شهور تبدأ باستقالة سلمية أُعلنت من دارة الجنرال ميشال عون التي اُستخدمت عملياً كواجهة مسيحية لقرار شيعي يمسك به "حزب الله".

لقد عاب الأمين العام السيد حسن نصر الله على الرئيس سعد الحريري وحلفائه الدعم الأمريكي والدولي والعربي الذي برز بقوة غداة الاستقالة شعوراً بخطورة الخطوة واحتمالات التصعيد في لبنان، لكنه سها عن أن وزراءه ووزراء حلفائه تعمَّدوا تقديم استقالاتهم لحظة ولوج الحريري البيت الأبيض للقاء الرئيس باراك أوباما وفاخروا بأنهم تركوه يدخل رئيساً لحكومة لبنان ليخرج بعد دقائق رئيساً سابقاً لحكومة أسقطها ثلثها المعطل، فلا استطاع الوقوف أمام الكاميرات ولا تمكن من الادلاء بتصريح.

لكن السيد نصر الله كان على حق بأن رأى عشية بدء الاستشارات النيابية لتكليف رئيس للحكومة بعد خمسة أيام من الاستقالة كماً غير عادي من التدويل، وحجماً كبيراً من الضغوط التي رزح تحتها كل الأفرقاء، ما دفع رئيس الجمهورية إلى تأجيل تلك الاستشارات لأسبوع. هذا النوع من الاستنفار الدولي بدأ فور إعلان حلفاء سورية وإيران بلسان الجنرال ميشال عون أن المساعي السعودية– السورية (عرفت باسم س.س) لحل الأزمة داخل الحكومة وصلت إلى طريق مسدود، وأن المعارضة تبلغت من دمشق أن "رفض الحريري تنفيذ تعهداته" أفشل تلك المساعي، علماً أن الحريري نفسه كان قد باشر بنعيها قبل أسبوع من ذلك التاريخ، حين أعلن في حديث إلى جريدة "الحياة" أن هناك اتفاقاً ناجزاً منذ أربعة أشهر توصلت إليه الرياض ودمشق، وأن الفريق الآخر لم يفِ بالجزء المتعلق به للمباشرة بتطبيق الإتفاق.

وإذ كانت حركة سعد الحريري لافتة بانتقاله "مُقالاً" من البيت الأبيض إلى الإليزيه وصولاً إلى أنقرة الداخلة على الملف اللبناني من باب الإسلام السني المعتدل والتوازنات الدقيقة، فإن المواقف الإيرانية والسورية المباشرة وغير المباشرة ضد الحريري كانت تصب في خانة التجاذب الإقليمي أيضاً. ولا ننسى في هذا الإطار تحذير وزير الخارجية السعودي إثر استقالة الوزراء بأن الوضع المستجد في لبنان قد يفضي إلى تطورات خطيرة على الصعيد الإقليمي.

ردود الفعل الدولية والإقليمية والاتصالات المباشرة التي أجريت من الخارج إلى الداخل مع كل الأفرقاء لم تحل دون أن ينتظر اللبنانيون ما ستسفر عنه المشاورات النيابية. وهم للوهلة الأولى ظنوا أن المعارضة أمَّنت أكثرية ضئيلة تتيح لها تسمية رئيس حكومة معارض هو عمر كرامي الراسب في الانتخابات النيابية الأخيرة ورئيس الوزراء يوم اغتيال رفيق الحريري، بعد انتقال النائب وليد جنبلاط من 14 آذار/ مارس إلى موقع وسطي ومصالحته مع دمشق وتماهيه مع المواقف المؤيدة لسلاح المقاومة والمستعيدة لمفردات النضال القومي في ستينيات القرن الماضي، لكنهم فوجئوا بالإعلان عن قمة تركية– قطرية– سورية تعقد في دمشق لبحث الوضع اللبناني، وأدركوا أن دون هدف المعارضة في تحويل الأكثرية إلى أقلية عقبات جدية، ليس الاعتماد على تحولات وليد جنبلاط أهمها، بل المصالح الإقليمية المتشابكة وحسابات الدول، بما فيها الحليف الرئيسي سورية التي تتجاوز حساباتها حتماً حسابات القوى الحزبية اللبنانية لألف اعتبار واعتبار.

سيكون من التفاؤل الواهم الاعتقاد بأن هذا النوع من التدويل، المتمثل بالقمم والمساعي أو بـ "مجموعة الاتصال" التي اقترحتها باريس، كفيل بإعادة اللبنانيين إلى طاولة الحوار للنظر في كيفية مواجهة تداعيات القرار الاتهامي والاتفاق في شأن تثبيت السلم الأهلي والنظام السياسي في لبنان. ففي نتائج المساعي الدولية المباشرة يمكن لهذا النوع من النشاط الدبلوماسي الرفيع الاستمرار في ضبط آلة العنف لاستئناف النقاش انطلاقاً من اتفاق "س.س" المجهض، وهو ما ينسجم مع رغبة رئيس الجمهورية اللبناني ميشال سليمان ورئيس "اللقاء الديموقراطي" النيابي وليد جنبلاط. وهذا النوع من النشاط الذي تتولاه قطر نيابة عن السعودية بعدما تحسنت علاقتهما بشكل كبير وتحسنت علاقة الدوحة بسعد الحريري في شكل مواز، وتتولاه فرنسا بالتنسيق مع تركيا نيابة عن الولايات المتحدة بعدما تقارب موقفا أوباما وساركوزي إثر زيارة الأخير مطلع العام الجاري لواشنطن، يمكنه أن يمنع طغيان فريق الأقلية على الأكثرية من خلال تفاهم مع دمشق تضمن فيه الأخيرة مصالح الحد الأدنى لحلفائها على أمل أن تحظى بالحد الأقصى من عودة نفوذها إلى لبنان في وقت لاحق.

ولا يلغى من الاحتمالات إمكان إعادة تكليف الحريري واستحالة تشكيل حكومة، فتغرق البلاد في أزمة مديدة يُواجه خلالها القرار الاتهامي بحال من الإنحلال المؤسساتي والتشدد "المقاوماتي" المسلح. فلا تدعم الحكومة "غير الموجودة" القرار ولا تتمكن المحكمة الدولية من اعتقال متهمين. وهو احتمال يطغى على احتمال أن يعاود سعد الحريري تشكيل حكومة "وفاق وطني" يكون أبرز بنود بيانها الوزاري التنصل من القرار الاتهامي (وليس من المحكمة) وسحب القضاة اللبنانيين ووقف التمويل اللبناني للمحكمة. أما الحالمون بصفقة متكاملة تبدأ بتراجع دمشق عن مذكرات التوقيف في حق 35 شخصية سياسية وإعلامية مقربة من الحريري، وإقفال المراكز الفلسطينية المسلحة خارج المخيمات وضبط سلاح المقاومة وسحبه من شوارع وأزقة العاصمة في مقابل تنازلات الحريري في موضوع المحكمة، فهؤلاء متفائلون إلى حد السذاجة لأن التجارب والتاريخ القريب لا تدعم مثل هذه الأحلام … لكن، إذا تحققت هذه السذاجة فستكون من حظ اللبنانيين.

Share