لبحث عن "طريق ثالث" في العلاقات الإيرانية-الأمريكية؟

  • 2 يونيو 2003

كثيرة هي النظريات والطروحات التي يتداولها المراقبون حول العلاقات الإيرانية-الأمريكية التي توصف بأنها شائكة ومعقدة ومتغيرة بدرجة تفوق ما للرمال المتحركة من سمات وصفات. وكثيرا أيضا ما يتحدث الخبراء عن خيارات إيران وتياراتها وأجنحتها السياسية الداخلية في التعاطي مع المشهد السياسي الراهن، وفي هذا الإطار ظهر مصطلح "الطريق الثالث" كسبيل لإنهاء حالة الضبابية والغموض في علاقة طهران بواشنطن، وهو مفهوم سبق أن تردد كصيغة توافقية لإنهاء أزمة التعايش السياسي بين الجناحين المتصارعين في إيران.

والمعروف أن مفهوم "الطريق الثالث" ليس جديدا في الأدبيات السياسية، فقد طرحت الفكرة في الغرب منذ أوائل القرن العشرين حين دعا بعض المفكرين والمنظّرين إلى "طريق ثالث" بين الاشتراكية والرأسمالية واستقر الرأي خلال السنوات الأخيرة على تأطيرها مفاهيميا باعتبارها صياغة توافقية ودربا وسطيا بين الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية من ناحية، والليبرالية الجديدة من ناحية ثانية، وقد حصلت الفكرة على "دعم إعلامي" من قبل ساسة بارزين منهم الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، الذي دعا خلال حملته الانتخابية عام 1992 إلى البحث عن طريق ثالث، ثم اشتهرت الفكرة كذلك من خلال دعوة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير إلى فلسفة حكم جديدة تقوم على مزيج من سياسات الوسط ويسار الوسط. والحديث المتداول عن "طريق ثالث" لإيران لا يرتبط هذه المرة بسياسات داخلية، بل بالبحث عن مخرج للأزمة المثارة في العلاقات مع الولايات المتحدة، ومن بين الحلول الداخلية التي طرحت ما ورد في رسالة وقّع عليها 127 نائبا إصلاحيا في مجلس الشورى وتسربت فقراتها إلى صحف إيرانية، وفيها من الفقرات ما يتضمن لهجة سياسية هي الأكثر حدة وشدة في الصراع السياسي بين جناحي النظام، إذ تقول الرسالة في إحدى فقراتها -حسبما نقلت صحف إيرانية- "إذا كان الخميني اعترف بأنه شرب كأس السم رغماً عن إرادته وقبل بالهدنه مع العراق وتنفيذ القرار 598، فإنه من الضروري أيضا شرب كأس أخرى من السم، إذا كان ذلك ضرورياً للدفاع عن أركان النظام واستقلال البلاد وأراضيها قبل بلوغ الخطر درجة لا يمكن التراجع عنها" وهي إشارة واضحة من النواب لقبول تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة وتفادي أي تصعيد عسكري محتمل ضد إيران.

وغالبا ما كانت الدبلوماسية الإيرانية تلجأ إلى صيغ سياسية تضمن لها البقاء ضمن منطقة توازن في علاقاتها مع الولايات المتحدة، واستخدمت في سبيل ذلك مفاهيم ومصطلحات شتى تراوح بين "الحياد الإيجابي" و"الحياد النشط" وهي عناوين عريضة لسياسات طالما أبقت قنوات الحوار مفتوحة بشكل مباشر أو غير مباشر مع واشنطن، ولكن هذه المرة تبدو الأخيرة أكثر دافعية وتصميما بحكم نتائج حربها في العراق، وأكثر قلقا بحكم أهمية الملفات التي تمتلك طهران بعض مفاتيحها وأوراقها، ولذا جاءت لهجة الطرفين مختلفة عن ذي قبل.

إذا كان البحث عن طريق ثالث قد أبقى الصراع الداخلي بين الإصلاحيين والمحافظين ضمن قواعد اللعبة السياسية المتعارف عليها، فهل تصلح صيغ توافقية كهذه في إنهاء التوتر الراهن في العلاقات الإيرانية-الأمريكية؟

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات