كيف أدت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران إلى تعزيز قدرة تنظيم «داعش»

  • 1 يونيو 2020

تناقش سيمونا فولتين، صحافية تقيم في بغداد، في تقريرها في مجلة فورين بوليسي، كيف أثرت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران في جهود مكافحة تنظيم داعش في المنطقة، وتقول إن هذا أدى إلى تعزيز قدرات التنظيم.

في صباح أحد الأيام الباردة في شهر فبراير الماضي، قام طفل يبلغ من العمر 9 سنوات من قرية الخاتونية في قضاء الحويجة بالعراق بأخذ ماشية عائلته للرعي في المروج القريبة. وعندما لم يعد إلى المنزل في موعده المعتاد بعد الظهيرة، ذهب قريبان له للبحث عنه. وفي صباح اليوم التالي، عُثر على الرجلين مقتولين على طريق ترابي خارج القرية.

لقد كانت عمليات القتل تحمل بصمات تنظيم «داعش» التي يعرفها القرويون جيداً، حيث تم العثور على الرجلين وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم وآثار طلقات الرصاص في رؤوسهم. وكان هذا الهجوم مفاجئاً، بسبب تمتع المنطقة بفترة راحة نسبية من العنف لمدة تزيد على عام، نتيجة حملة منهجية من العمليات التي نفذتها القوات العراقية والأمريكية بشكل مشترك في أواخر عام 2018 وأوائل عام 2019. وقد أدت تلك العمليات، إلى تخليص القرى من مسلحي تنظيم «داعش» بشكل تدريجي وإجبارهم على التراجع إلى المناطق الجبلية القريبة. ولكن الهجوم الذي وقع في قرية الخاتونية في فبراير شكل بداية عودة لتنظيم «داعش» إلى المنطقة، وهي عودة يبدو أنها مرتبطة بالتصعيد المستمر بين الولايات المتحدة وإيران.

وبلغ هذا الاحتكاك ذروته عندما اغتالت الولايات المتحدة الجنرال العسكري الإيراني قاسم سليماني على الأراضي العراقية في أوائل يناير من هذا العام. ورداً على ذلك، دعا رئيس الوزراء والبرلمان العراقيان إلى انسحاب القوات الأجنبية من العراق. وقام التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة على إثر ذلك بتعليق أنشطته لتعزيز حماية قواته. وقال حسن الصوفي، ضابط المخابرات العراقي الذي اكتشف جثث الرعاة في الخاتونية: «عندما ازدادت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، تراجعت وتيرة عمليات التحالف في هذه المنطقة، وزادت أنشطة تنظيم داعش، وأصبح الوضع مناسباً لمقاتلي التنظيم للتحرك».

ومنذ عمليات القتل التي وقعت في الخاتونية في فبراير الماضي، أعلن التنظيم مسؤوليته عن مئات الهجمات على المدنيين والكمائن المنسقة ضد قوات الأمن. وقد استفاد التنظيم أيضاً من جائحة فيروس كورونا، التي أجبرت التحالف على إجلاء معظم المدربين، وأجبرت قوات الأمن العراقية على نشر بعض قواتها في المدن لفرض إجراءات الإغلاق.

وأدى الاحتكاك بين التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والجماعات المسلحة المدعومة من إيران، التي تسمى قوات الحشد الشعبي، إلى تعقيد العمليات المناهضة لتنظيم «داعش» في العراق. كما أن الاغتيال الأمريكي لسليماني ولنائب قائد قوات الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في بغداد في وقت سابق من هذا العام قد أثار مخاوف من اندلاع حرب أمريكية-إيرانية على الأراضي العراقية.

وعندما هدأت التوترات بين الطرفين الأمريكي والإيراني وبدأ التحالف في تكثيف عمليات الدعم مرة أخرى في مكافحة تنظيم داعش، أسفرت الجولة الثانية من التصعيد في مارس عن مقتل ثلاثة من أفراد التحالف، ما أدى إلى تسريع انسحاب القوات الأمريكية من قواعد عدة في العراق تم استخدامها لشن عمليات مشتركة ضد التنظيم. وفي غضون ذلك، أظهر التعطل الحالي في شن عمليات ضد تنظيم «داعش» مدى اشتراك القوات الأمريكية في القتال ضد التنظيم في العراق، وذلك بعد فترة طويلة من الهزيمة الإقليمية للتنظيم في عام 2017.

كما واجه التحالف قيوداً متزايدة على استخدام المجال الجوي العراقي في النصف الثاني من عام 2019، بعد انفجارات غامضة عدة أصابت مستودعات أسلحة وقواعد تابعة لقوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران. وعلى الرغم من عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن تلك الهجمات، فإن قوات الحشد الشعبي اتهمت الولايات المتحدة وإسرائيل باستهداف مواقعها وضغطت على قيادة العمليات المشتركة العراقية لفرض قيود أكبر على طائرات الاستطلاع والطائرات الأمريكية.

وطوال عام 2019، وسعت الحكومة العراقية ما يسمى مناطق العمليات المقيدة لتشمل المناطق التي تتمركز فيها الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، بما في ذلك المناطق المحيطة ببغداد وديالى حيث ينشط تنظيم «داعش». ويتطلب التحليق فوق هذه المناطق موافقة خاصة. كما واجهت القوات البرية الأمريكية قيوداً مماثلة على الحركة. حيث قال ضابط عراقي اشترك مع القوات الأمريكية الخاصة في عمليات ضد تنظيم «داعش» إن ما يسمى «المقاومة الإسلامية»، جماعات الحشد المعادية للولايات المتحدة، قامت مراراً بمنع قوافل تتألف من القوات العراقية والأمريكية من الوصول إلى أهداف في مناطق سيطرتها، على الرغم من موافقة قيادة العمليات المشتركة.

وفي إحدى المرات شمال بغداد، ذهب ضابط عراقي للتحدث مع قائد من منظمة بدر التابعة لقوات الحشد الشعبي للتفاوض بشأن مرور القافلة، حيث أخبره القائد قائلاً: «هذا قطاعنا ونحن نرحب بكم لإجراء العملية، فأنت عراقي ونحن عراقيون. ولكن بصراحة، لن نسمح للقوات الأمريكية بالدخول، وذلك حتى لو حصلت على موافقة رئيس الوزراء نفسه››. وفي إحدى المرات في عام 2019، أطلقت قوات الحشد الشعبي النار على قافلة مؤلفة من القوات الخاصة الأمريكية والعراقية.

ولتجنب الأعمال العدائية، قامت قيادة العمليات المشتركة في بعض الأحيان بحظر اشتراك الجنود الأمريكيين في العمليات الواقعة بالقرب من مناطق الحشد الشعبي. كما أدت التهديدات المتزايدة من قبل ما يسمى «المقاومة الإسلامية» بالهجوم على أهداف أمريكية للانتقام لمقتل سليماني والمهندس إلى زيادة خطر المواجهة، ما يجعل مشاركة الولايات المتحدة في مثل هذه العمليات أمراً محفوفاً بالمخاطر.

وقال ضابط عراقي يتعاون بشكل منتظم مع القوات الأمريكية الخاصة: «سيكون الوضع أكثر صعوبة فيما يتعلق بتنفيذ مهامنا». وعندما سُئل عما إذا كان الجيش العراقي يستطيع الاستغناء عن دعم القوات الأمريكية في عملياته ضد تنظيم «داعش» أجاب الضابط العراقي قائلاً: «يمكننا تحقيق النصر، ولكننا سوف ننزف أكثر. فعلى المدى الطويل، يهدف التعاون بين القوات الأمريكية والعراقية إلى تعزيز قدرة العراقيين وجعلهم فقط هم القادرين على حماية بلادهم ضد تنظيم داعش».

ويقول مسؤولو التحالف، الذين يشعرون بالإحباط غالباً من عدم رغبة العراق في كبح جماح الحشد الشعبي، أن توقف أنشطة التحالف قد يكون فرصة طبيعية لمساعدة الشركاء العراقيين على الاستغناء عن الدعم الأمريكي.

ولكن المدنيين في المناطق الريفية شاهدوا قوات الأمن العراقية تعاني من أجل مكافحة تنظيم «داعش» بشكل فعال. فمنذ عام 2018، شهدت المناطق الريفية حول كركوك عمليات عسكرية عدة واسعة النطاق من قبل الجيش والشرطة العراقية لتطهير الخلايا النائمة. وأعلن القادة العسكريون نجاح هذه العمليات، ولكن المدنيين قالوا إن مسلحي التنظيم قاموا بالاختباء أثناء سير العمليات جارية، ولكنهم قاموا بالظهور مرة أخرى بعد أيام واستئناف عملياتهم الإرهابية.

لقد أدت الغارات التي تقودها المخابرات العراقية بالتعاون مع العمليات التي تقودها القوات الخاصة الأمريكية والعراقية، إلى جانب نشر الشرطة في عمق المناطق الريفية، إلى انكفاء مقاتلي تنظيم «داعش». ولكن في شهر مارس من هذا العام، انسحبت القوات الأمريكية من قاعدة «K1» الجوية في كركوك، هو ما أدى إلى توقف العمليات المشتركة إلى حد كبير، ما جعل القرويين عرضة لهجمات تنظيم «داعش» مرة أخرى.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات