كيف‮ ‬يتجنّب العالم حرب العملات؟

  • 11 أكتوبر 2010

بعد أن استنفدت الدول الكبرى وسائل دعم انتعاشها الاقتصادي، يبدو أنها اتّجهت مؤخراً إلى التدخّل في تحديد أسعار صرف عملاتها كأداة جديدة في هذا الشأن، وقد شهدت الأشهر القليلة الماضية تحكّم الصين في تحديد قيمة عملتها الوطنية "اليوان"، وإن كان "المصرف المركزي الصيني" قلّل من أهميّة هذا التدخّل، فإن إقراره بوجود فارق ولو كان بسيطاً بين القيمة السوقية والقيمة الحقيقية لليوان يعدّ دليلاً على أهميّة هذا التدخّل، كما تدخّلت اليابان أيضاً في سوق صرف "الين" خلال الأسابيع الأخيرة، فضخّت كميّات كبيرة منه في الأسواق لوقف صعوده المتواصل مقابل العملات الأخرى، وقد يكون التراجع القياسي الذي شهده الدولار، مؤخراً، ليس إلا مظهراً من مظاهر التدخّل الأمريكي في أسواق الصرف، فالتوسّع في الإنفاق لدعم انتعاش الاقتصاد الأمريكي عبر"التمويل بالتضخّم" ليس إلا وسيلة فعّالة للمحافظة على دولار ضعيف.

ويمكن تفسير هذا النهج باعتبار أن المحافظة على عملة وطنية ضعيفة تمثّل أداة فعّالة لدعم الصادرات، حيث إن ضعف العملة من شأنه تخفيض تكلفة الحصول على سلع الصادرات وبالتالي تحسين تنافسيتها في الأسواق العالمية، ويعدّ تزايد عدد الدول المقبلة على استخدام هذه الأداة دليلاً على مدى الفاعليّة التي تراها الدول في العملة الضعيفة كوسيلة لدعم الصادرات في الوقت الذي ما زالت فيه تداعيات "الأزمة المالية العالمية" تثقل كاهل الاقتصاد العالمي، وإن كان هذا الاتجاه الدولي المتزايد ينذر باحتدام النزاع بين القوى الاقتصادية الكبرى حول قيم عملاتها وتعمّق هذا الاتجاه واتساعه ليشمل دولاً أخرى، ليتحوّل إلى ما يسمّى "حرب العملات"، الأمر الذي سيكون كفيلاً بتوسيع موجات التذبذب في أسواق صرف العملات الرئيسية في العالم، وينذر بدخول النظام المالي العالمي برمّته مرحلة من الاضطراب المشوب بعدم اليقين.

وسيكون نشوب "حرب عملات" عالميّة قناة فاعلة للكثير من الأضرار التي ستلحق بالاقتصاد العالمي، حيث إنها ستصعّب كثيراً قرار الاستثمار وستلحق الضرر بأسواق السلع الاستراتيجية، بخاصة أسواق النفط ومصادر الطاقة الأخرى، وستجعل من الذهب خياراً استراتيجياً للادّخار والاستثمار على حدّ سواء، وستضعف من أهميّة البدائل الادّخارية والاستثمارية الأخرى، بسبب عدم استقرار قيم هذه البدائل وكذلك عدم استقرار العوائد المترتّبة عليها، وهو ما سيتسبّب في ضعف محرّكات النمو الاقتصادي العالمي، كما أن نشوء مثل هذه الحرب سيوفر بيئة خصبة للمضاربة بأسواق العملات، لتضطر الدول إلى التدخّل بشكل أكبر في أسواق عملاتها للحدّ من تذبذبها بفعل المضاربات ولكن دون جدوى كبيرة، حيث إن تذبذب قيم العملات سيضعف من آلية التدخّل في هذه القيم كأداة لدعم الصادرات، فهذا التذبذب سينعكس بشكل سلبي على الصادرات.

وفي مثل هذه الظروف فإنه من الواجب على "صندوق النقد الدولي" وغيره من المنظمات الدولية ذات الشأن في النظام المالي العالمي أن تتفاعل مع هذه القضية، لمنع الإخلال بقواعد الاستقرار النقدي والمالي العالمي، والمحافظة على أسس توازن النظام الاقتصادي العالمي برمّته، وحماية مصالح الدول المتضرّرة بخاصة الاقتصادات النامية التي تلعب دور المتلقي، وإن كان العبء الأكبر في هذا الشأن يقع على تلك المنظمات، فإن هذا لا يعفي الدول النامية من مسؤولية متابعة القضية عن كثب، وتبنّي الوسائل التي تمكّنها من تجنّب الخسائر التي يمكن أن تلحق باقتصاداتها جرّاء هذه الممارسات.

Share