كيفن رود.. ومستقبل السياسة الأسترالية

د. جون بروني: كيفن رود.. ومستقبل السياسة الأسترالية

  • 23 ديسمبر 2007

تعرض رئيس الوزراء الأسترالي السابق جون هوارد، أحد أبرز المؤيدين المتحمسين للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، سواء في الحرب العالمية ضد الإرهاب، أو في حرب العراق، أو في الموقف من بروتوكول كيوتو، لهزيمة حاسمة خلال الانتخابات الاتحادية التي جرت يوم 24 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي (2007)، على يد منافسه المعارض "كيفن رود"، بعد سنوات طويلة من الحكم، ممهداً بذلك الطريق أمام حدوث تغيير ما، ربما يكون انقلاباً في الطريقة التي سوف تمارس بها السياسة داخل أستراليا.

وفي أول قرار دولي له بعد تسلمه السلطة، قرر رئيس الوزراء الأسترالي السادس والعشرين كيفن رود، الانضمام إلى بروتوكول كيوتو، ليزيد بذلك من عزلة الولايات المتحدة، التي أصبحت الآن الدولة المتقدمة الوحيدة التي لم توقع على هذه الاتفاقية المعنية بالتغيرات المناخية.

كما تعهد رود، الذي يشكك منذ زمن بعيد في جدوى مشاركة أستراليا في حرب العراق، بأن يسحب القوات الأسترالية، المرابطة في هذا البلد الذي تمزقه الصراعات، والتي يبلغ عددها 550 جندياً. وهي خطوة شجاعة، بالنظر إلى أن كانبيرا، كانت في ظل فترة حكم رئيس الوزراء السابق جون هوارد، النصير المؤيد لجدول أعمال المحافظين الجدد الأمريكيين، الذي اعتمده الرئيس جورج دبليو بوش، لتحويل منطقة الشرق الأوسط إلى معقل لـ"نموذج الديمقراطية الأمريكي".

ولكن بوش يعتبر الآن زعيماً ضعيفاً على المستويين المحلي والدولي، أشبه ما يكون بـ"البطة العرجاء"؛ حيث تلاشت قدرته على تخويف الناخبين والحكومة الأسترالية إلى حد كبير. في الوقت الذي زادت فيه عدم شعبية حرب العراق فى أستراليا بدرجة كبيرة بسبب عدم مصداقية دوافع الاستراتيجية الأمريكية لدى الجمهور بشكل غير عادي بالنسبة لبلد يرتبط بشكل وثيق مع واشنطن.

وبطبيعة الحال فإن هناك تغيرات محتملة في السياسات الداخلية الأسترالية بعد فوز رود لم تتحقق بعد، وتشمل تعديل تشريعات العلاقات الصناعية التي كانت حكومة هوارد قد أقرتها تحت عنوان "خيارات العمل" أو "WorkChoices" والتي لا تحظى بالشعبية داخل أستراليا، فضلاً عن تحقيق المصالحة مع المجتمعات المحلية للسكان الأصليين واستمالتهم، وتنفيذ أو اتخاذ مجموعة من الإجراءات البيئية التي تعكس الالتزام الجديد للبلاد باتفاقية كيوتو.

ولكن، إلى أين يمكن أن يقود هذا التغيير أستراليا؟ .. من منظور العلاقات الدولية، من المرجح أن تنجرف حكومة رود الجديدة أكثر نحو فلك الصين؛ حيث كان رود نفسه قد أبدى اهتماماً بالغاً بالصين وبتجربتها التنموية الضخمة، ولكن هذا التوجه سيؤثر حتماً على الصلات الأمنية الوثيقة القائمة حالياً بين أستراليا وواشنطن، خاصة إذا وقعت أزمة كبيرة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية بخصوص تايوان، أو بخصوص وضع التجارة الدولية، أو بشأن التمركز الاستراتيجي العدواني للصين في أفريقيا وجنوب المحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية، أو غير ذلك من الأسباب.

كما أن الاقتراب من الصين يمكن أيضاً أن يعرض الروابط الأمنية الجديدة بين أستراليا واليابان للخطر، بعد أن كانت تلك الروابط هي السمة المميزة لسنوات حكم هوارد، وبالتالي، فعلى الصعيد الآسيوي تقف الحكومة الأسترالية الجديدة في مفترق الطرق؛ فإذا لم تستطع أو عجزت عن أن تبحر بشكل ناجح في "الطريق الوسط" بين واشنطن وبكين، أو بين بكين وطوكيو، فإن هذه الدول الكبرى قد تضع "كانبيرا" في موقف الاختيار بين الجانبين. ولاشك أن مثل هذا الوضع قد يسبب أزمة ثقة في عملية صنع القرار في السياسة الخارجية لأستراليا، ذلك البلد المحظوظ الذي ظل لسنوات عديدة، يعيش تحت مظلة الولايات المتحدة الأمريكية بهدوء، ويقوم في الوقت نفسه بصياغة ترتيبات ثنائية ومتعددة الأطراف مع كبريات الدول الأسيوية، وهويعتقد، بكل ثقة، أنه لن يتم إجباره أو وضعه في "اختبار الولاء".

وبالاتجاه ناحية الغرب قليلاً من الدائرة الأسيوية، من المرجح أن يعجل الانسحاب الأسترالي من العراق، بزيادة الوجود العسكري الأسترالي في أفغانستان، وهو الأمر الذي كانت المعارضة العمالية التي تزعمها رود قد ألمحت إليه خلال التمهيد لانتخابات نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وإذا حدث ذلك، فإن وضع أستراليا في الشرق الأوسط سيكون أقل وضوحاً، في ظل وجود بعض ما تبقى من القدرة العسكرية في المنطقة، والتي أعيد انتشارها في بعض دول الخليج الصديقة لمواصلة مهمة تدريب أفراد الأمن العراقيين.

ولكن حقيقة أن أستراليا ستتحرك بسرعة بعيداً عن دعمها الصريح للسياسة الأمريكية في العراق، يمكن أن تتسبب في توتير الأجواء بين واشنطن وكانبيرا خلال الأشهر المقبلة، كما هو الحال مع بريطانيا؛ حيث أثر صعود غوردون براون، رئيس الوزراء البريطاني الجديد منذ يونيو/حزيران الماضي (2007) على العلاقة بين الحليفين التقليديين، وأوجد بعض المسافة بين واشنطن ولندن./n /n وفيما يتعلق بطبيعة العلاقات بين دول الخليج وأستراليا، يمكن القول إنها لن تتأثر كثيراً بفوز "رود" بالانتخابات الأسترالية؛ حيث تتمتع أستراليا حالياً بعلاقات طيبة مع دول الخليج، وباستثناء بعض الأحداث غير المتوقعة، من المرجح أن يستمر هذا الوضع، وستكون الطريقة التي تتعامل بها حكومة رود مع الأقليات المسلمة داخل أستراليا في إطار التزامها المستمر بـ"الحرب على الإرهاب"، عاملاً حاسماً في هذا الصدد./n /n وبشكل عام، تبدو الحكومة الأسترالية الجديدة مقبلة على مرحلة جديدة، من المرجح فيها، أن يعتمد هذا البلد سياسة خارجية أكثر استقلالية عن النهج الأمريكي. وهي قد تحاول إفساح المجال لبعض العلاقات الصعبة بهدف تجنب أن ينظر إليها على أنها إما في هذا المعسكر أو في المعسكر الآخر. ولاشك أن الدبلوماسية الحاذقة ستكون أساسية هنا، وإن كانت جرعة جيدة من الحظ قد تحدد في نهاية المطاف مدى نجاح دبلوماسية هذا البلد في الحفاظ على الوضع الراهن.

لقد أصبح العالم اليوم مكاناً مختلفاً جداً عن ذلك الذي ورثه جون هوارد في عام 1996، وبالتالي فإن إدارة دفة سفينة الدولة سوف تتطلب المزيد من الجهد، خاصة في التعامل مع اللاعبين الجدد الأكثر طموحاً مثل الصين والهند وروسيا، والذين لا يخجلون من قيامهم باستخدام الثروة والسلطة لكسب الأصدقاء والتأثير على الناس. والواقع أن عالم جون هوارد قد حان وضع حد له، فالولايات المتحدة لم تعد هي التيتان أو العملاق الذي يسيّر العالم اقتصادياً واستراتيجياً من دون أنداد. لقد فعلت إدارة بوش الكثير لتشويه سمعة واشنطن وقدرتها على تقنين مشروع النفوذ الأمريكي في الخارج، وما "الحرب على الإرهاب" سوى مشروع متخبط، تحطم في مناطق الحدود بين أفغانستان وباكستان؛ أما حرب العراق فقد أخلت بتوازن القوى الإقليمية في الخليج لصالح إيران، وهو تأثير كبير لم يكن مقصوداً. علاوة على ذلك، هناك اليوم العديد من المراكز المتنافسة على القوة السياسية، وأيضاً على القوى السياسية المتوسطة مثل أستراليا، التي  ألحقت نفسها لعدة سنوات، بالمبادرات الأمريكية، (وهو ما فعلته حكومة هوارد بثقة)، لكن المهمة المقبلة ستكون أصعب بكثير.

Share