«كوفيد-19» يهدد مؤشرات التنمية البشرية بالتراجع

  • 6 يوليو 2020

يقيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التنمية البشرية للدول بناءً على مؤشر مركب يعبّر عن مستوى رفاه الشعوب من خلال ثلاثة أبعاد، هي: التعليم والصحة والمستوى المعيشي، بما يعزز فكرة أساسية مفادها أن يعيش الناس نوع الحياة التي يختارونها، والنظر إلى هذه الفكرة باعتبارها مسألة سياسية بقدر ما هي اقتصادية، ووسيلة لتعزيز حقوق الإنسان وتعميق الديمقراطية.

دولة الإمارات التي حازت المرتبة الأولى عربياً والـ 35 عالمياً في تقرير التنمية البشرية الأخير، أسست لنفسها رؤية مستقبلية ترتكز على قيم التنمية البشرية والاستدامة، من خلال عملها على صياغة برامج وخطط استراتيجية هدفها القضاء على الفقر وضمان توفير خدمات الصحة والتعليم وفرص العمل اللائق والنمو الاقتصادي والحد من عدم المساواة، وخاصة في ظل جائحة كورونا المستجد التي أظهرت خلالها الدولة جهوداً نوعية للحفاظ على معدلات مرتفعة من معايير التنمية البشرية.

ولأن العالم يعيش اليوم أزمة صحية غير مسبوقة، تتجسد في وباء كورونا المستجد؛ حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من تراجع معدلات التنمية البشرية على الصعيد الدولي؛ حيث قال مدير البرنامج، آخيم شتاينر، قبل أيام قليلة: «شهد العالم العديد من الأزمات خلال السنوات الثلاثين الماضية… أثرت كل منها في معدلات التنمية البشرية سلبياً، ولكن تلك المعدلات ظلت تحقق المكاسب عاماً تلو الآخر على صعيد المتوسط العالمي، ولكن التأثير السلبي لجائحة كوفيد-19 في ثلاثية الصحة والتعليم ومستويات الدخل قد يغير هذا الاتجاه المتواصل من المكاسب، بل قد يعكسه».

وانطلاقاً من تحذير شتاينر، يلحظ المتخصصون أن الجائحة لن يكون لها تداعيات اقتصادية على البشرية فحسب، إنما ستطال آثارها مجالات التنمية البشرية الأساسية؛ الصحة والتعليم ومتوسط دخل الفرد، الذي يتوقع أن ينخفض هذا العام بنسبة 4%، ما من شأنه أن يوّلِد أكبر تراجع في التنمية البشرية على الإطلاق. كما أشارت تقديرات البرنامج إلى أن 60% من الأطفال حول العالم لا يحصلون على تعليم، وهو مستوى لم يشهده العالم منذ ثمانينيات القرن الماضي، إضافة إلى أن 86% من الأطفال في سن التعليم الابتدائي خارج مقاعد الدراسة في الدول ذات التنمية البشرية المنخفضة، مقارنة بـ 20% فقط من أقرانهم في الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة جداً.

أما عن تداعيات الجائحة الاجتماعية والاقتصادية على النساء، فإن أبرز المهددات الحالية تتجسد بالتراجع في المساواة بين الجنسين، بعد أن امتدت آثار سياسات احتواء الوباء على النساء والفتيات، كإضعاف قدرتهن على الكسب والادخار، وتأثر مستوياتهن المعيشية من جرّاء فقدانهن للوظائف أو تقليص دخولهن، ما أثر في مستويات الأمن الوظيفي، فضلاً عن الآثار السلبية على الصحة الإنجابية، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، الأمر الذي يتطلب من الدول المتأثرة بالوباء تبنّي وتنفيذ مجموعة من التدخلات القائمة على تحقيق المساواة والإنصاف وإدراج العدالة عند صناعة السياسات، إضافة إلى أن البرنامج أوصى باتخاذ خطوات عدّة، تشمل «حماية النظم والخدمات الصحية والتوسع في تدابير الحماية الاجتماعية وحماية الوظائف ومنشآت الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم، والعاملين في القطاع غير الرسمي، وانتهاج سياسات للاقتصاد الكلي تعمل من أجل الجميع وتعزيز السلام والحكم الرشيد وبناء الثقة من أجل تدعيم التماسك الاجتماعي».

لقد صنعت جائحة كورونا مجموعة من التحديات التي تهدد النماء البشري، وتؤثر في الفئات الأكثر ضعفاً، كالنساء والأطفال والفقراء؛ فبحسب تقرير التنمية المستدامة 2020 الأخير، الصادر عن هيئات الأمم المتحدة العاملة في المنطقة العربية، وعلى رأسها اللجنة الاجتماعية والاقتصادية لغرب آسيا (الإسكوا)، فإن الوباء سيقلّص إمكانية تحقيق الأهداف الخاصة بالتنمية المستدامة؛ مثل القضاء على الفقر والجوع، وضمان الصحة والرفاه، وتوفير العمل اللائق والنمو الاقتصادي، وخاصة في الدول العربية التي قال عنها هذا التقرير، إنها «تسجّل أعلى مستويات فوارق في الدخل في العالم، ورعاية صحية متدنية، تعليماً غير جيّد، ومستويات عالية من البطالة ومن عدم المساواة بين الجنسين.. ما يزيد من صعوبة تحقيق خطة التنمية المستدامة 2030 بالنسبة إلى الكثير من هذه الدول».

Share