«كورونا» يُفزِع الاقتصاد العالمي وسياسات الانكفاء ليست الحل

  • 2 أبريل 2020

بات واضحاً أن لانتشار «كورونا» عالمياً أثر بالغ في تقليص الأنشطة الاقتصادية، نتيجة تراجع القطاعات التي تحفّز تلك الأنشطة، الأمر الذي يهدد مستقبلاً بتراجع حركتي الإنتاج والشراء، وتعميق حالة الركود التي دخلها الاقتصاد العالمي، وينذر بالوصول إلى حالة من الكساد إذا ما طالت الأزمة.

منذ تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19) عالمياً، انتابت حالة الهلع الدول وشعوبها، فالأولوية أصبحت لاحتواء الوباء وحماية صحة الإنسان التي تنعكس إيجابياً على حماية الأنظمة الصحية من الانهيار، يقابله توقف حركات النقل والسياحة، وتراجع في الطلب العالمي على السلعة الأكثر حيوية، ألا وهي النفط، وانعكاس كل ذلك على مستويات العرض والطلب التي أثرت بدورها في مخاوف بشأن استمرارية إنتاج السلع المصنّعة، ليجد العالم نفسه الآن تحت عبث «كورونا» به.

ويلحظ المتتبع للتطورات الاقتصادية في الأسبوع الأخير من شهر مارس الماضي، مجموعة من المؤشرات التحذيرية، إذ تسبب انتشار الوباء بعرقلة النقل الجوي العالمي، وأضعف الطلب على السلع الأولية اللازمة للإنتاج، وأدّى إلى عزل مجتمعات ودول ووضعها تحت الحجر الصحي، ووضع أخرى تحت حظر التجول، وأصاب أسواق البورصات وقطاعات النفط والطيران والنقل والسياحة بخسائر ليست هينة.

القطاعات الاقتصادية الأكثر تضرراً
في قطاع النقل الجوي، حذر الاتحاد الدولي للنقل الجوي «إياتا» مؤخراً من سرعة استنفاذه الاحتياطيات النقدية المتاحة لدى الناقلات الجوية حول العالم في ظل تكبدها خسائر حادة نتيجة توقف حركة طيران الركاب بشكل شبه تام، حيث ورد في تحليل «الاتحاد» أن الناقلات الجوية وفي غضون الربع الثاني من هذا العام، متوقع أن تستهلك مجتمعة ما مقداره 61 مليار دولار من إجمالي احتياطياتها النقدية، إضافة لتوقعات تشير إلى احتمالية تعرضها لخسائر فصلية مجمّعة تقدر بنحو 39 مليار دولار خلال الفترة نفسها. «إياتا» التي وضعت سيناريو افتراضي، فيما لو استمر تقييد حركة الطيران لثلاثة أشهر إضافية، أشارت فيه إلى أن الطلب على رحلات المسافرين سينخفض بنسبة 38% على مدى العام الجاري، وستنخفض إيرادات الناقلات طوال 2020 بقيمة 252 مليار دولار، وسيحدث انخفاضاً أشد في الطلب على رحلات المسافرين خلال الفصل الثاني تحديداً من العام الجاري، لتصل نسبته إلى 71%. وتسبب «كورونا» بإحداث تراجعات كبيرة على هذه الأسواق، إذ شهدت أسواق المال العالمية، خلال هذه المرحلة، أسوأ أداء منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية عام 2008. وهو ما ينطبق على أسواق النفط، التي خسرت منذ بدء أزمة «كورونا»، يضاف إليه اشتعال فتيل معركة سعرية بين المملكة العربية السعودية وروسيا، بانخفاض أسعار النفط إلى أكثر من 55%، حيث وصلت أسعار برنت يوم أمس الأربعاء إلى نحو 22.7 دولار للبرميل، فيما انخفض سعر الخام الأمريكي إلى نحو 20.5 دولار للبرميل.

توقعات متشائمة للنمو العالمي
إن حالة من عدم اليقين تسود العالم الآن، فليس معروفاً متى ستنتهي أزمة وباء «كورونا»، ولم تعد التقارير متفائلة بشأن ما كان يتم الحديث عنه حول النمو قبل «كورونا»، فالمفوضية الأوروبية قالت مطلع مارس الماضي إن فرنسا وإيطاليا معرضتان لخطر الانزلاق إلى الركود. وصندوق النقد الدولي أطلق صفارة إنذاره بشأن اتجاه الاقتصاد العالمي إلى مسارات «أكثر خطورة».

وفي حين توقعت الأمم المتحدة في وقت سابق تراجع عدد السياح في العالم خلال هذا العام من 1 – 3%، فإن منظمة السياحة العالمية توقعت في الـ 27 من مارس الماضي، بأن يتراجع عدد السياح في العالم، خلال العام الجاري، بنسبة 20 إلى 30%، وتراجع الإيرادات السياحية من 300 إلى 450 مليار دولار، أي نحو ثلث عائدات العام المالي، التي بلغت 1.5 تريليون دولار، الأمر الذي يهدد ملايين الوظائف، بحسب الأمين العام، زوراب بولوليكاشفيلي، في بيان.

ولأن توقعات صادرة عن منظمات دولية عدّة، تنبأت بانكماش الناتج الإجمالي العالمي خلال 2020 بنحو 1%، بسبب «كورونا»، وفقاً لبنك «غولدمان ساكس»، وتخفيض الأونكتاد توقعاتها للنمو العالمي في العام الجاري إلى النصف، إي من 2.9% إلى 1.5%، وأن يتراجع النمو الصيني، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، إلى نحو 5.5%، بحسب مؤسسة أكسفورد للاقتصاد، فإن الاقتصاد العالمي بات لا محالة مهدد بالانكماش، الذي سيعتمد في حدّته على مدى انتشار الفيروس جغرافياً وعددياً، الأمر الذي ينقل المخاوف إلى مستويات أعمق، لها علاقة بإفلاس شركات وتفشي البطالة بين الأفراد، وتنامي درجة الضغوط على الحكومات التي تبحث عن حماية أنظمتها الصحية في الوقت الحالي، وتعزيز مستويات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وخاصة في الدول التي لديها هشاشة في أنظمتها السياسية والاقتصادية.

نماذج وطنية للسياسات المحفزة

وانطلاقاً من السعي إلى احتواء الأزمات الاقتصادية التي خلّفها، فيروس كورونا، وما زال، قامت العديد من حكومات الدول بتقديم حزم مالية ضخمة، لتعزيز متانة اقتصاداتها الوطنية؛ فحكومة دولة الإمارات أقرت حزمة دعم اقتصادية وصلت إلى 126.5 مليار درهم (34.440 مليار دولار)، وكان مصرف الإمارات المركزي قد أعلن في منتصف مارس خطة دعم شاملة بقيمة 100 مليار درهم (27 مليار دولار) لاحتواء تداعيات الفيروس، إضافة لاتخاذ العديد من القرارات؛ كإلغاء رسوم وضرائب على الأفراد والشركات للتسهيل عليهم، ما جعل من مؤسسة مالية كبرى، مثل «ستاندرد آند بورز جلوبال بلاتس العالمية» تقول إن دولة الإمارات، هي الدولة الخليجية الأفضل استعداداً لمواجهة التداعيات الاقتصادية لانتشار «كورونا». وفي الولايات المتحدة الامريكية، وافق مجلس النواب في نهاية مارس الماضي على حزمة تقدّر بـ 2.2 تريليون دولار لمساعدة الأفراد والشركات في مواجهة التباطؤ الاقتصادي؛ حيث تتضمن الحزمة 500 مليار دولار للصناعات المتضررة و290 مليار دولار لتمويل مدفوعات تصل إلى 3 آلاف دولار لملايين الأسر، و350 مليار دولار قروضاً للشركات الصغيرة، و250 مليار دولار للتوسع في إعانة البطالة، و100 مليار دولار للمستشفيات والأنظمة الصحية ذات الصلة، لتتضح أهمية هذه البرامج والحزم في التخفيف على القطاعات الاقتصادية الأكثر تضرراً، من دون إغفال مسألة مهمة، أن أثر الحزم المالية يبقى محدود الأثر في إنعاش الطلب، في ظل عالم يرزح تحت حجر صحي لحصر الوباء.

ما هي المجالات التنسيقية المطلوبة بين الدول؟
الخطورة الآن تكمن بأن الولايات المتحدة والصين واليابان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وهي الدول التي يتفشى فيها الوباء أكثر، تمثّل مجتمعة 60% من العرض والطلب العالميين؛ معرضة أكثر من غيرها إلى تراجع حركة الإنتاج والتوريد وتنامي حالة الركود وقلة النشاط الاقتصادي وتراجع الحركة الشرائية وزيادة الإنفاق على أنشطة الرعاية الصحية، وغيرها من المؤشرات، ما سيؤثر سلبياً بدوره على حدوث صدمات اقتصادية للبلدان المرتبطة عالمياً بتلك الدول، ونتيجة للهزة التي ستطال سلاسل التوريد العالمية فإن قطاع التصنيع والتجارة الدولية أكثر القطاعات التي ستتعرض إلى صدمات في باقي دول العالم في أوروبا وآسيا وإفريقيا وأمريكا الشمالية.

إن تردي حركة الإنتاج والتجارة ستؤثر في الحركة الشرائية وثقة المستهلكين، ما سيؤثر بدوره في ترقب المستثمرين ورجال الأعمال بحالة من الحذر، الأمر الذي سيقلّص من ضخ أي أموال في مشروعات أو استثمارات جديدة، ما يفرض على حكومات الدول تعزيز الروح التعاونية، التي تستوجب حدوث عملية تنسيق عالية الدقة، استجابة لتداعيات انتشار «كورونا»، تتمثل في: اتخاذ البنوك المركزية سياسات نقدية تنسيقية فيما بينها، واستعدادها التدخل لتوفير سيولة في حال ضغط على الوسطاء الماليين. ومن المهم أن تنسق دول العالم فيما بينها لوضع سياسات اقتصادية تتعلق بدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، عبر إقرار تسهيلات تتعلق بالإقراض وسداد الديون، إضافة إلى التنسيق الدولي الخاص بدعم أكثر الفئات الاجتماعية تضرراً من الحجر الصحي، لحماية قدراتهم الشرائية وإبقاء النشاط الاقتصادي بعيداً عن الركود، من دون إغفال أهمية التبادل الدولي للأدوات العلاجية والطبية، وفتح مستشفيات لاستقبال المرضى على الصعد الإقليمية، وفتح المجال لإعارة المتطوعين من الممرضات والأطباء لدول الإقليم الواحد، وإنشاء صناديق تضامنية لجمع التبرعات على الصعيدين الوطني والإقليمي للدول، بما يضمن توفير الإغاثة لمحتاجيها خلال هذه الأزمة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات