«كورونا» يكبح جماح «النيوليبرالية»

  • 2 أبريل 2020

اضطرت أشرس النظم الرأسمالية في العالم، تحت وطأة تفشي وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) إلى انتهاج سياسات اشتراكية، لإنعاش اقتصاداتها ورفع مستوى خدماتها، وهذه السياسات ذات طابع مؤقت، لكنها ستترك تأثيرات كبيرة لجهة كبح جماح الرأسمالية المتطرفة.

أحدث وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) العديد من التغيرات ودفع في سبيل إعادة النظر في الكثير من النظريات والسياسات والأفكار، ومنها الرأسمالية المتوحشة أو «النيوليبرالية»، حيث إن تفشي هذا الوباء فرض تحديات ضخمة لم تستطع أن تواجهها المؤسسات الصحية التي تمت خصخصتها، كما بدا واضحاً في عملاقين رأسماليين مثل الولايات المتحدة وبريطانيا. في السياق نفسه، فإنه وفي ظل ما أفرزه تفشي هذا الوباء من تأثيرات سلبية شديدة على الصعيد الاقتصادي، وجدت الدولة نفسها في موقع يفرض عليها العودة إلى تفعيل دورها الاجتماعي، وهو دور يتناقض تماماً مع الطروحات الخاصة بالرأسمالية المتوحشة التي عملت على تحييد دور الدولة، انطلاقاً من المبدأ الرأسمالي الشهير «دعه يعمل.. دعه يمر».
لقد صرح ترامب قبل نحو أسبوع أن الاقتصاد لن يتحمل وأن عجلة الإنتاج يجب أن تدور من جديد مع حلول 12 إبريل الجاري، ضارباً عرض الحائط بما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من المزيد من تفشي الوباء، ولكن ترامب وجد نفسه مضطراً لأن يتراجع عن هذا الحديث، ليعود ويؤكد أن المهم هو صحة الإنسان وأن الاقتصاد في المرتبة التالية من حيث الأولوية، وهذا بالطبع أمر مثير. لقد اضطر ترامب أن يتخذ هذا الموقف مع تفشي الوباء ووجود مؤشرات إلى إمكانية أن تتحول الولايات المتحدة إلى بؤرة له. وهذا بطبيعة الحال موقف جيد، ولكنه يتناقض بشكل صارخ مع سياسات ترامب والجمهوريين، فمنذ تولي ترامب منصب الرئيس لم يدخر جهداً في الحد مما تبقى لدور الدولة، وهو رشح نفسه في الأصل بوعد أساسي، يتمثل في التخلص من برنامج الرئيس السابق باراك أوباما الصحي الذي شمل جميع الأمريكيين وحاول ترامب أن يسحب مظلة التأمين من حوالي 67 مليون شخص، وقام ترامب بتخفيض دعم الغذاء والسكن والدعم الخاص بعلاج الفقر الذي يشمل حوالي 27 مليون أمريكي. وفي ظل موقف المضطر، اتخذت إدارة ترامب حزمة من السياسات ذات الطابع الاشتراكي، ومنها برنامج دعم بحجم كبير تقدر قيمته بـ 2 تريليون دولار لمواجهه الآثار الاقتصادية التي أفرزتها التأثيرات التي نجمت عن تفشي وباء «كورونا».
ولم يقتصر الأمر على الولايات المتحدة، بل امتدت عملية اتخاذ سياسات اشتراكية أو الإشادة بمثل هذه السياسات وضرورة اللجوء إليها، إلى قلاع أخرى للرأسمالية، ومنها بريطانيا وفرنسا، فوزير النقل البريطاني تحدث عن تأميم شركات الطيران والسكك الحديدية لضمان استمرار الخدمة ولحماية الشركات من الانهيار قائلاً: نحن في عالم متغير، وهناك تحديات كبيرة ونحتاج آليات مختلفة للاستجابة، على الرغم من أنه قبل شهور قليلة، دخل زعيم حزب العمال البريطاني كوربن الانتخابات البرلمانية الأخيرة ببرنامج انتخابي دعا إلى تأميم خدمات الطاقة والمياه، وقد تلقى الحزب هزيمة نكراء في هذه الانتخابات. أما وزير المالية الفرنسي، فقد ألمح إلى تأميم أكبر عدد من الشركات جازماً بأن حكومته لن تترد باستخدام أي وسيلة لحماية الشركات.
بيد أن ما يجب تأكيده في هذا المقام، أن هذا الإعجاب المفاجئ بالسياسات الاشتراكية ليس مرده اتجاه الدول الرأسمالية لإنهاء سيطرة رأس المال على الحكم، والقيام بعملية توزيع عادل للثروات وحماية العمال، وإنما هدفه حماية الرأسمالية نفسها التي وجدت نفسها في موقع المضطر لمثل هذه السياسات التي تم تغييبها بشكل كامل في ظل طغيان التطرف الرأسمالي.
وفي الوقت الذي يبدو فيه عمل الدول الرأسمالية بسياسات اشتراكية ذات طابع مؤقت، إلا أنه يمكن القول بقدر كبير من الاطمئنان، إن مثل هذه السياسات سيكون من الصعب التراجع عنها بشكل كامل لاحقاً، خاصة إذا تفاقمت تأثيرات وباء «كورونا» وطال أمد الأزمة، وهو ما ستكشفه الشهور المقبلة.

Share