«كورونا» يفاقم أزمة أسعار النفط

  • 7 مايو 2020

مرّ شهر إبريل على أسواق النفط بطعم المرارة؛ حيث تعرضت هذه السلعة الأساسية في الإنتاج لتراجع كبير في أسعارها، وهوت نحو منحنى سعري يعدّ الأول في تاريخها، ليسجل برميل الأمريكي منها أكثر من ناقص 37 دولاراً، فيما تراجع برنت لأكثر من نصف سعره عمّا كانت عليه الحال في مارس.

في الحقيقة، القصة ابتدأت من قبل مارس الماضي، عندما قلّص انتشار وباء كورونا العالمي من حجم الطلب عليه جرّاء تراجع حجم الإنتاج وتعطّل حركة السفر العالمي، ثم جاءت اللطمة الأخرى للأسواق حين رفضت روسيا في الأسبوع الأول من مارس، طلب منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك»، مقترحاً بشأن تعميق وتمديد اتفاق خفض الإنتاج حتى نهاية عام 2020، بحجم خفض كلي 3.2 مليون برميل يومياً. فروسيا التي اعتبرت حليفاً «مستقلاً» لـ «أوبك» منذ أن انضوت تحت مظلتها تحت مسمى «أوبك+» منذ نهاية عام 2016، صدمت برفضها الدول الكبرى المنتجة للنفط، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، فما كان من المملكة إلا أن قررت في حينه رفع القدرة الإنتاجية القصوى المستدامة لنحو 13 مليون برميل يومياً، بارتفاع قدره مليون برميل كامل، وذلك بحسب أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لأرامكو السعودية.

قبل قرار السعودية رفع إنتاجيتها من النفط، وما نجم عنه من انخفاض سعر العقود الآجلة للخام الأمريكي تسليم شهر إبريل بنسبة 1.05% ليصل إلى 34 دولاراً للبرميل، وتراجع سعر العقود الآجلة لمزيج برنت بنسبة 0.75% ليصل إلى 36 دولاراً للبرميل، كانت «أرامكو» قد خفضت سعر بيع النفط الخام لشهر إبريل عن متوسط أسعار خامي سلطنة عمان ودبي بمقدار 6 دولارات للبرميل عن شهر مارس، وخفضت سعر بيع النفط الخام للولايات المتحدة بـ 7 دولارات عن مارس، وخفضت سعر البيع الرسمي لخامها العربي الخفيف لشمال غرب أوروبا بـ 8 دولارات للبرميل. ليتسبب ذلك كله بصدمة كبيرة لأسواق النفط، بسبب انهيار الأسعار بنسبة 31%، مسجلة أكبر خسائر لها، منذ اندلاع حرب الخليج في عام 1991.

ومع كل الألم الذي تكبدته أسواق الطاقة العالمية، بسبب كورونا واشتعال حرب سعرية بين المنتجين، جاءت الطامة الكبرى في 20 إبريل، حين تحولت أسعار العقود الآجلة للنفط الخام الأمريكي تسليم مايو إلى سلبية للمرة الأولى في التاريخ، فيما انخفضت عقود برنت بنحو 9%، لتسجل عند التسوية 25.57 دولار للبرميل. فتحول أسعار النفط الأمريكي إلى سلبية يعني أن على البائعين الدفع للمشترين لأخذ عقود آجلة للنفط، ثم مضت الأيام وبدأ الأمريكي يتعافى من هزته، فيما استمر برنت، ولو بوتيرة بطيئة، بالتراجع حتى يومنا هذا.

لقد تكبدت أسواق النفط في 2020 خسارات كبرى، إذ تهاوت أسعار برنت بأكثر من 70% منذ بداية العام، وهوت عقود الخام الأمريكي بنحو 130%، في انهيار كبير انعكس على صناعة الطاقة العالمية وأضر باقتصادات عالمية تعتمد في دخولها على عائداتها النفطية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا التي كانت السبب وراء إشعال فتيل حرب النفط لإخراج النفط الصخري الأمريكي من المعادلة، بعد أن كان المتسبب الرئيسي في تراجع أسعار النفط في عام 2014، وحولت الصدمة التي شهدتها الأسواق مع بدء كورونا من صدمة طلب إلى صدمة في المعروض، فطالما قالت روسيا إنها تود النيل من صناعة النفط الصخري.

إن الدول التي تعتمد على أسعار تفوق الـ 50 دولاراً للبرميل ستتعرض لعجز في موازناتها، لكن انخفاض النفط إلى هذه المستويات غير المسبوقة في إبريل سيوقع الضرر بلا شك على روسيا والولايات المتحدة، ففي معظم الحالات، يتصدر النفط قائمة مصادر الدخل الرئيسية للدول الأعضاء في أوبك، وغير الأعضاء فيها، وسيفرض هذا النزول في الأسعار ضغطاً على اقتصاداتها، في وقت تعاني فيه دول بالفعل هذه الضغوط، كإيران وفنزويلا وليبيا. ففي نهاية إبريل قال وزير المالية والاقتصاد السعودي محمد الجدعان إن عجز الميزانية في الربع الأول من عام 2020 بلغ 34.107 مليار ريال، مع تضرر إيرادات النفط جراء تراجع الأسعار العالمية والطلب وفائض العرض، فيما أضاف الوزير في 3 مايو أن الحكومة قررت خفض الإنفاق والاستدانة بحدود 220 مليار ريال.

وبخصوص روسيا، فقد قدّر خبراء قبل أيام حجم خسارة الميزانية الروسية وفقاً لمتوسط أسعار النفط السنوية؛ فبحسب صحيفة «إيزفيستيا» الروسية، فعندما تكون الأسعار في حدود 30 دولاراً ستكون الخسارة 2.5 تريليون روبل (33.6 مليار دولار)، فيما إذا وصل المتوسط إلى 10 دولارات فستكون في إيرادات الميزانية الروسية للعام الجاري نحو (63.16 مليار دولار). لقد ضاعفت تداعيات كورونا من المعاناة الروسية، وهو ما أشار إليه وزير المالية الروسي أنطون سيليانوف بقوله «إن إيرادات ميزانية روسيا من مبيعات النفط والغاز ستقل بنحو (39 مليار دولار) عن المتوقع لهذا العام بسبب انخفاض أسعار الخام». إن روسيا ما زالت تعوّل على شهر مايو الجاري؛ حيث قال وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، إن الوضع في سوق النفط سيتضح في شهري مايو ويونيو، متوقعاً عودة توازن الأسواق بشكل كامل بحلول نهاية العام الجاري، مؤكداً أنه ومنذ شهر مايو الجاري، سيتم تخفيض الإنتاج حتى 8.5 مليون برميل يومياً بما يتناسب مع اتفاق (أوبك+)، بتقليص الإنتاج بنسبة 19%.

أما شركات صناعة النفط الأمريكية، فإنها تواجه سيناريو مخيفاً هي الأخرى، ففي حال استمرار سعر برميل النفط بنحو 20 دولاراً، ستقدم 533 شركة من شركات تنقيب وإنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة ملفاً للإفلاس بحلول نهاية عام 2021، وذلك بحسب شركة Rystad Energy، التي قدرت أنه عندما يكون سعر البرميل 10 دولارات، سيكون هناك أكثر من 1100 حالة إفلاس، بينما سيسمح انتعاش الأسعار السريع بتجنيب شركات النفط شبح الإفلاس.

لقد كشف انهيار الأسواق هشاشة قدرات التخزين العالمية للنفط مقارنة بحجم الإنتاج، ليثير نقصان عدد مواقع التخزين قلقاً كبيراً، في وقت وصل فيه الطلب إلى أدنى مستوياته، نتيجة تدابير الحجر المنزلي وحظر السفر في ظل تفشي فيروس كورونا، لينكشف كذلك السباق الجاري بين الوسطاء للبحث عن قدرات تخزين فارغة، سواء في ناقلات النفط التي صودرت لتخزين الخام، أو على اليابسة؛ كمحطة «كوشينغ» للتخزين في الولايات المتحدة. ففي نهاية إبريل، نشرت قناة روسيا اليوم تقريراً قالت فيه إنه تم رصد مجموعة من ناقلات النفط قرب سواحل ولاية كاليفورنيا الأمريكية وبعدد أكبر مما هو معتاد، ما يفسّر نقص منشآت التخزين في الولايات المتحدة وجميع أنحاء العالم، لكن التفاؤل يبقى بتكثيف اهتمام المنتجين بخفض الإنتاج وإغلاق الآبار، وانتعاش الطلب بعد انتهاء أو تقليص عمليات الإغلاق وزيادة النشاط الصناعي، لتخرج حينها أسعار النفط من عنق الزجاجة التي حوصرت فيها منذ مطلع العام الجاري.

Share