«كورونا» يعمق أزمة الصحافة الورقية

  • 25 مايو 2020

جاءت جائحة فيروس كورونا المستجد «كوفيد- 19» لتعمق أزمة الصحافة الورقية التي اضطر كثير منها في وقت سابق إلى التوقف بعد خسارة التحدي مع الصحف ووسائل الإعلام الإلكترونية، وهو ما يزيد التساؤلات حول مستقبل هذه الصحف، وإذا ما كانت في طريقها إلى الاندثار بشكل تام.
فرض ظهور الصحف ووسائل الإعلام الإلكترونية تحديات ضخمة على الصحافة الورقية، التي ظلت لعقود طويلة متربعة على عرش الصحافة، حيث اضطر كثير منها إلى التوقف عن الصدور وتسريح الصحفيين والعاملين فيها، وبعضها الآخر اكتفى فقط بإصدار نسخ إلكترونية، وإن كان عدد من الصحف الذي يمتلك موارد مالية ضخمة قد استطاع الجمع بين الإصدار الورقي والإصدار الإلكتروني في الوقت نفسه.
وقد حدث ذلك في ظل تنامي وسائل الإعلام الإلكترونية التي دخلت في منافسة حامية الوطيس مع الصحافة الورقية، وتم حسم الأمر لصالح منابر الإعلام الإلكتروني، في ظل ما يعيشه العالم من ثورة غير مسبوقة في مجال الاتصالات والمعلومات؛ ما وفر ميزات كثيرة لهذه المنابر في مواجهة الصحافة الورقية، ومنها انخفاض التكلفة وسرعة إيصال الخبر والمعلومة والتحليل.
وبطبيعة الحال، فإن الصحافة الورقية المدعومة من قبل حكومات بعينها أو تلك المدعومة من قبل جهات محددة، لم تواجه مثل هذه الأزمة التي واجهتها الصحافة الورقية الأخرى، بحكم توافر التمويل اللازم لها، وهنا نشير إلى أن الكثير من الحكومات والأنظمة السياسية حريصة على أن تكون لها صحف ورقية تعبر عن توجهات، وتدعم سياسات هذه الحكومات والأنظمة.
وإذا كان بعض الصحافة الورقية قد استطاع الصمود بحكم ما لديه من موارد مالية، أو بحكم نجاحه في الجمع بين الإعلام التقليدي والإعلام الإلكتروني، أو بحكم ما حققه من مكاسب من عملية التوزيع أو الإعلان، فإن هذا النوع الأخير من الصحف على وجه التحديد واجه تحديات جديدة مع جائحة فيروس كورونا المستجد «كوفيد- 19» التي غزت العالم بشكل مفاجئ، وحولته إلى جزر منعزلة بين عشية وضحاها، حيث أحجم القراء عن شراء الصحافة الورقية خوفاً من العدوى، وبادر كثير من ناشري هذه الصحف تحت وطأة هذا الوضع إلى وقف صدور صحفهم، ويتخوف محبو الصحافة الورقية من أن يطول مدى اختفائها مع أزمة «كوفيد- 19»، أو ألا تعود هذه الصحف للصدور مرة أخرى، كما يتخوف ناشرو هذه الصحف من ألا يتمكنوا مرة أخرى من إعادة إصدار صحفهم إذا ما طال أمد هذه الأزمة، لأن جمهور القراء لهذه الصحف سيكون قد لجأ إلى مصادر إعلامية أخرى وتعود عليها بديلاً للصحافة الورقية.
وعلى هذا النحو، يمكن القول إن جائحة فيروس كورونا المستجد ستؤدي إلى تعميق أزمة الصحافة الورقية وقد تكتب تاريخ نهايتها، ومما لا شك فيه أن اختفاء مثل هذا النوع من الصحف سيعني حدوث تحول كبير في خريطة وسائل الإعلام، التي ظلت الصحافة الورقية تحتل فيها مكانة بارزة.
وفي الواقع، فإن الكثيرين من المختصين بقضايا الإعلام والنشر يعتبرون أن اختفاء الصحافة الورقية يعد مسألة وقت، ويؤكدون أن وسائل الإعلام الإلكتروني ستكون هي الوحيدة بعد وقت طال أو قصر، ومن ثم يجب على ناشري الصحف الورقية اتخاذ خطوات حاسمة في سبيل التحول الكلي باتجاه الصحافة الإلكترونية. وهذا الرأي صحيح تماماً، ولكن يمكن القول إن الصحافة الورقية لن تختفي في زمن قصير، وفي كل دول العالم بشكل متزامن، وبخاصة في تلك الدول التي لا تمتلك بنية تكنولوجية قوية تساعد في تمكين وسائل الإعلام الإلكتروني فيها. بيد أن ما يجب تأكيده في نهاية المطاف، أن مكانة الصحافة الورقية سوف تتلاشى شيئاً فشيئاً إلى أن تختفي، مع تصاعد سطوة وسائل الإعلام الإلكتروني، وثورة الاتصالات التي خلقت جيلاً جديداً لم يعتَد قراءة الصحافة الورقية أصلاً.

Share