كورونا يعصف بمنكوبي العالم والمنظمات الدولية تناشد لدعمهم

  • 21 مايو 2020

لم يعدّ يخفى على أي متابع حجم التداعيات الناجمة عن انتشار وباء كورونا المستجد عالمياً، فدول عظمى أصبحت تقف حائرة أمام هذه الجائحة، التي خلّفت آثاراً على اقتصادها وأنظمتها الصحية والاجتماعية، فكيف تكون الحال عندما يتم الحديث عن أوضاع المنكوبين في العالم؟ وكيف تكون حياة الفقراء الذين تفاقمت معيشتهم، وخاصة في ظل تفاقم معدلات البطالة وتراجع مستويات الأمن الصحي في أماكن وجودهم؟

لنبدأ الحديث عن الأطفال النازحين في دولهم، الذين هُجِّروا من بيوتهم بفعل الحروب وغياب الأمن والاستقرار في مناطقهم؛ فمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، أشارت في مطلع مايو الجاري إلى أن ما يقدّر بـ 19 مليون طفل عاشوا نازحين في بلادهم بسبب النزاعات والعنف عام 2019 المنصرم. ففي تقريرها الذي حمل عنوان «ضائعون في ديارهم» تحدثت المنظمة عن المصاعب التي يواجهها الأطفال النازحون داخلياً، والإجراءات التي ينبغي اتخاذها على وجه السرعة لصونهم، وخاصة أن استمرار تفشي فيروس كورونا ترك هؤلاء الأطفال في عداد المجموعات الأكثر عرضة لتداعياته المباشرة وغير المباشرة، وزادتهم ضعفاً على ضعف، الأمر الذي يستدعي تضافر جهود الحكومات والشركاء الدوليين والعاملين في الحقل الإنساني لتعزيز مستويات الأمن والصحّة والتعليم والحماية لهؤلاء الأطفال.

الخطورة على الأطفال النازحين تكمن في أنهم محرومون من الخدمات الأساسية، وأنهم عرضة للعنف، والاستغلال والتعسف وتجار البشر، كما أنهم عرضة للوقوع فريسة لعمالة الأطفال وزواج القُصّر وتغريبهم عن أهليهم. كما أن ما يهدد حياة هؤلاء الأطفال في هذه المرحلة، أنهم يعيشون في عشوائيات ومخيمات مكتظّة، تندر فيها خدمات النظافة والرعاية الصحية، ويصعب فيها تحقيق المآرب الخاصة باحتواء الوباء من خلال التباعد الجسدي، لتصبح ظروف حياتهم المعيشية مكاناً خصباً لانتشار الأوبئة بشكل عام، وانتشار كورونا المستجد على وجه الخصوص.

تقرير (اليونيسف) الذي رصد زيادة عدد حالات النزوح لدى الأطفال بـ 12 مليون حالة في 2019، حيث شُرّدَ 3.8 مليون منهم بسبب النزاعات والعنف، و8.2 مليون بسبب الكوارث المرتبطة في الغالب بالظواهر الطبيعية، دعا الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والعاملين في الحقل الإنساني، إلى تضافر وتعزيز جهودها بغية معالجة العوامل المسبّبة لنزوح الأطفال، كالعنف والاستغلال وتعرضهم لظروف إنسانية تجبرهم على النزوح، واتخاذ إجراءات ملموسة لمنح الأطفال والأسر النازحة داخلياً الحماية والفرص المتساوية في الحصول على الخدمات.

أما وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فقد أكدت قبل أسابيع قليلة على لسان إليزابيث كامبل، مديرة مكتب الوكالة في واشنطن، أن الأموال التي لدى الوكالة تكفي للعمل حتى نهاية مايو، نتيجة قرار الولايات المتحدة وقف تمويلها للوكالة التي تقدم مساعدات لنحو 5.5 مليون لاجئ فلسطيني مسجل لديها، ما أثّر بشكل كبير على مساعدة الأشخاص الذين يحتاجون المساعدة، لتواجه الوكالة والمستفيدون منها أسوأ أزمة مالية منذ أن بدأت عملياتها قبل نحو 70 عاماً. الخطر الأكبر الذي يواجه (أونروا) الآن يتجسد بالأعباء الإضافية الناجمة عن أزمة كورونا، التي تسببت بأن تتفرغ الدول المانحة لاحتواء الوباء وطنياً؛ ليصبح ملايين اللاجئين الذين يعيشون في مخيمات مكتظة، عرضة لتقلص أو انعدام أمنهم الغذائي والوظيفي، ما يستدعي تأمين احتياجاتهم في الرعاية الصحية، ولاسيما في لبنان وسوريا والأردن وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. فلم يكن يكفي اللاجئين الفلسطينيين مخاطر انتشار الوباء، إنما تعداه ذلك إلى أن (أونروا) أطلقت صرختها قبل أيام قليلة في أن أكثر ما يواجهه لاجئو فلسطين يكمن في خطر التشريد، جراء أوامر السلطات الإسرائيلية بهدم منازلهم في القدس الشرقية، أو الضغط على العائلات لتقوم بهدم منازلها بنفسها تحت تهديد السجن، الأمر الذي يضاعف عليهم مخاطر الفقر الذي يعانونه في الأصل.

منظمة «أطباء بلا حدود» تستنهض هي الأخرى كل قواها لمساعدة مناطق الأزمات في كافة أنحاء العالم طبياً، فقد أدركت أن أهل اليمن الشقيق بحاجة إلى مساعدة ماسّة لتفادي مخاطر انتشار جائحة كورونا، فأرسلت قبل أيام قليلة طائرة إلى العاصمة اليمنية صنعاء» التي تعيث فيها الميليشيات الحوثية الإرهابية فساداً وجبروتاً، حيث حملت هذه الطائرة 27 طناً من المستلزمات والأدوات الطبية والعلاجات دعماً للقطاع الصحي في اليمن، التي تأتي ضمن الإجراءات التي تقوم بها المنظمات الإغاثية الدولية للحد من انتشار الوباء، وخاصة أن منظمة الصحة العالمية، حذرت في مطلع مايو الجاري من احتمالية تأثر نصف سكان اليمن بفيروس كورونا، في ظل هشاشة القطاع الصحي فيها. وفي مطلع الأسبوع الحالي تسلمت «أطباء بلا حدود» مهمة مواجهة وباء كورونا في عدن، وذلك بدعم مستشفى «الأمل» الذي أصبح مركز استجابة وعلاج للمرضى، من خلال تدريب الطاقم الطبي على رعايتهم وتطبيق تدابير الوقاية من العدوى ومكافحتها، ليشير عمل المنظمة في اليمن إلى أهمية أن تتنبه الدول والمنظمات الإنسانية إلى تكثيف مساعداتها الطبية في هذه المرحلة التي زادت على اليمنيين عبئاً إضافياً على عبء الانتهاكات التي يمارسها الحوثيون بحقهم.

من جهتها كانت كل من منظمة «الشفافية الدولية» و«هيومن رايتس ووتش» و«غلوبال ويتنس» قد تنبهت إلى تحديات لم تركز عليها باقي المنظمات، وذلك من خلال توجيه رسالة تضغط فيها على صندوق النقد الدولي من أجل إدراج تدابير الشفافية ومكافحة الفساد في برامج الإغاثة الطارئة لمواجهة وباء كورونا، لضمان وصول مليارات الدولارات من المساعدات إلى الفئات الأكثر ضعفاً.

وقالت ديليا فيريرا روبيو، رئيسة منظمة الشفافية الدولية، إن «الحاجة الطارئة إلى دعم جهود الدول أثناء الوباء العالمي تجعل الشفافية والمساءلة في الإنفاق الحكومي مهمة جداً. تتطلب الأزمة من صندوق النقد الدولي توفير الأموال في أسرع وقت ممكن، ولكن ينبغي ألا يتخلى عن التزامه بمكافحة الفساد، وحجم الأزمة يزيد من إمكانيات ومخاطر سرقة الأموال العامة التي ينبغي استخدامها لإنقاذ الأرواح»، وذلك في إشارة إلى أن المعوقات التي تتدخل بها آليات الرقابة، قد تسمح للأطراف صاحبة السلطة باستغلال الأزمة لمصلحتها الخاصة، لتأتي دعوة هذه المنظمات إلى ألا تكون المدفوعات السريعة على حساب الشفافية والتدابير المتخذة لمكافحة الفساد في الدول المتلقية لمساعدات الصندوق.

إن التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا، وضعت الدول الأكثر ضعفاً أمام مهددات بتفشي الفقر والبطالة بين شعوبها، وهو ما جعل المنظمات العالمية تركز أعمالها الآن على حماية الشعوب الأكثر تضرراً، فآثار الوباء المدمرة قد تدفع بنصف مليار إنسان إلى العيش تحت خط الفقر مع إمكانية فقدان نصف الوظائف في قارة إفريقيا وحدها، ما لم تتم مساعدة هذه الدول مالياً في أسرع وقت. هذه البيانات تنسجم مع إشارة سابقة لمنظمة العمل الدولية التي قالت إن الوباء يهدد نحو 60% من العمال في العالم، ممن يعملون في قطاعات غير منظمة، وخاصة أن معظمهم لا يتمتع بعقود عمل ولا ضمانات صحية واجتماعية تحميهم.

وكانت «العمل الدولية» قد أصدرت تقريراً في شهر إبريل الماضي، بيّن أن أزمة وباء كورونا ستلغي 6.7% من إجمالي ساعات العمل في العالم في النصف الثاني من العام الجاري، أي ما يعادل 195 مليون وظيفة بدوام كامل. كما توقعت حدوث تخفيضات كبيرة في الدول العربية تصل إلى خسارة نحو 5 ملايين عامل بدوام كامل لعملهم، وفي أوروبا 12 مليون عامل بدوام كامل، وآسيا والمحيط الهادئ سيخسر 125 مليون عامل بدوام كامل أعمالهم، إذ ستكون القطاعات الأكثر عرضة للخطر هي: خدمات الإقامة والطعام، والصناعات التحويلية، وتجارة التجزئة، وأنشطة الأعمال والأنشطة الإدارية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات