كورونا والمختبرات ومخاطر سباق تسلح بيولوجي

  • 20 مايو 2020

لم يترك فيروس كورنا المستجد «كوفيد-19» مجالاً إلا وأثر به وترك تداعيات كبيرة عليه، وخاصة الحياة الاقتصادية؛ ولكن الفيروس يثير أسئلة خطيرة بشأن مواضيع أخرى مهمة، من بينها موضوع المختبرات البيولوجية التي أصبحت تشكل هاجساً حقيقياً بسبب إمكانية تسرب الفيروسات إلى المناطق التي تعمل فيها.

تتفاقم حدة الاتهامات المتبادلة بين الولايات المتحدة والصين على خلفية نشأة فيروس كورونا المستجد، حيث اتهمت واشنطن بكين بأنها مسؤولة عن الفيروس؛ بل وذهبت تقارير إلى اتهامها بصناعته في أحد مخابرها في ووهان، أول مكان ظهر فيه الفيروس، ولكنها فقدت السيطرة عليه، وأكثر من ذلك أنها تسترت على معلومات مهمة كانت ستساعد في احتوائه والحد من انتشاره عالمياً. وقد ألقت هذه الاتهامات بظلالها على العلاقات المتوترة أصلاً بين البلدين بسبب الخلافات التجارية التي قد تفاقمها هذه الأزمة، حيث هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإلغاء الاتفاق التجاري مع بكين وذهب أكثر من ذلك عندما قال إن بلاده على استعداد لقطع علاقتها معها.

ويبدو أن الوضع يتفاقم وسيأخذ أبعاداً أوسع، حيث قد تنقلب الصورة بعد أن قامت الصين، وهذه المرة معها روسيا، بتوجيه اتهامات للولايات المتحدة بنشر مختبرات بيولوجية كثيرة في الدول والمناطق المحيطة بالبلدين؛ فقد قالت شبكة تلفزيون الصين الدولية «سي جي تي إن»، إن الولايات المتحدة لديها أكبر عدد من المختبرات البيولوجية في مجالات بحث واسعة ومتشعبة، وتتمتع بأعلى درجات «الغموض»؛ وطالبت بكين بتحقيق مماثل لذلك الذي تطالب به الولايات المتحدة بشأن كورونا؛ وقالت إنها تدعو إلى إجراء فحص ومعاينة سلامة المختبرات المماثلة على مستوى العالم تحت إشراف منظمة الصحة العالمية.

ولا شك أن موضوع المختبرات الأمريكية المنتشرة في العالم ليس جديداً؛ فالولايات المتحدة تمتلك أكبر عدد من المختبرات البيولوجية، التي تستخدم لأغراض مختلفة، منها ما هو علمي، ولكن هناك أيضاً مختبرات لأغراض عسكرية؛ وربما يكون أكثرها موجوداً في دول قريبة من روسيا والصين، ومن بينها دول الاتحاد السوفيتي السابق، وهذا بالطبع يثير روسيا التي عبّر وزير خارجيتها، سيرغي لافروف، عن قلق بلاده من نشر واشنطن المكثف للمختبرات البيولوجية في دول مجاورة لبلاده وللصين، حيث لا يُعرَف ولم تعلن أمريكا عن طبيعة التجارب البيولوجية التي تقوم بها هذه المختبرات، وهو ما يثير بالفعل تساؤلات كثيرة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الصين التي ستحاول توظيف هذا الأمر لصالحها في مواجهة الاتهامات الأمريكية لها بالتسبب في تفشي فيروس كورونا.

وأياً يكن الأمر، فإن هذه المختبرات تثير مخاوف حقيقية ليس فقط بسبب المخاطر المحتملة التي قد تتسبب فيها على حياة السكان المحليين وصحتهم، كما تحدثت العديد من التقارير؛ ولكن أيضاً بسبب خطورتها وإمكانية استغلالها لأغراض عسكرية، وفي مقدمتها تطوير أسلحة بيولوجية؛ فلا شك أن فيروس كورونا دفع موضوع الحروب البيولوجية مجدداً إلى الواجهة؛ صحيح أن الحديث عن استخدامها ليس جديداً فهناك اتهامات لجهات مختلفة باستخدامها في الصراعات القائمة، ولكن الخطورة تكمن الآن في إمكانية تطوير أسلحة بيولوجية فتاكة.

لطالما كانت الأسلحة البيولوجية من أخطر الأسلحة على الإطلاق، حيث تصعب السيطرة عليها وتترك آثاراً مدمرة على من يستهدفون بها؛ ولذلك هناك قوانين تحرم استخدامها، بل وتعتبر الجرائم التي تقع بسببها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ولكن طبيعة فيروس كورونا وسرعة انتشاره تثيران القلق من إمكانية حدوث سباق تسلح في هذا المجال بين الدول، وخاصة تلك التي لا تأبه بالقوانين الدولية، وفي مقدمتها الدول الكبرى نفسها؛ كما يمكن للجماعات المتطرفة وغيرها حيازة وتطوير أسلحة من هذا النوع واستخدامها، سواء في صراعاتها مع الحكومات أو في عملياتها الإرهابية.

إذاً المختبرات البيولوجية تثير بالفعل القلق، ويمكن للتوسع في انتشارها بدون ضوابط أن يشكل خطراً على حياة الناس، وقد يساهم في سباق تسلح دولي وتطوير أسلحة فتاكة يفترض أخلاقياً أن يكون العالم قد تخلص منها منذ زمن.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات