كركوك: ماذا بعد الخلاف على قانون الانتخابات المحلية؟

د. هدى النعيمي: كركوك: ماذا بعد الخلاف على قانون الانتخابات المحلية؟

  • 7 أغسطس 2008

كركوك مدينة ليست كباقي المدن العراقية، فهي مدينة يتزاحم فيها التاريخ مع الجغرافيا، وتعلي الثروة النفطية من شأنها، كما أنها تعيش مناخاً من التوتر والانتظار، بسبب " تقرير المصير"، الذي كثر الحديث عنه خلال السنوات الأربع الماضية. وتتميز هذه المدينة بتعدد الملل والنحل والأعراق، وينشغل الجميع فيها بمحاولة تحقيق أكبر قدر من المكاسب والمزايا لجماعته العرقية أو الدينية، دون مبالاة بالتصدع الذي راح يبرز على مستوى الهوية العراقية الواحدة، وبالتالي فهي تمثل نموذجاً مصغراً للوضع المعقد في العراق ككل، وسيكون مصيرها مؤشراً مهماً على ما يمكن أن يتحقق بشأن مشروع تقسيم العراق بين "العرب السنة والعرب الشيعة والأكراد"، وما إذا كان هذا البلد يسير نحو التشظي والانقسام إلى ولايات طائفية وعرقية، أم سيستمر موحداً؟.

ولا شك في أن للنفط دوراً مهماً في عملية تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي، وهذه المعادلة تنطبق على العراق ككل، وعلى مدينة كركوك بشكل خاص؛ ففي هذه المدينة يوجد نحو 584 بئراَ نفطياً تنتج نحو 12% من نفط العراق، وحيازة هذه الثروة النفطية الكبيرة من شأنه أن يعزز قوة الأكراد ويجعل انفصالهم عن حكومة بغداد المركزية أمراً سهلاً، حتى لو كان المقابل هو التنازل عن نسبة الـ 17% من عائدات النفط العراقي المقرر لهم وفق الميزانية؛ فالاستقلالية النفطية ستفضي بلا شك إلى استقلالية سياسية وسيادية، وستسهم مستقبلا في تعميق دعوات الانفصال.

على خلفية هذا الأمر تحدث الاغتيالات والتصفيات وعمليات التهجير، وتشهد المدينة العديد من الصراعات بين القوى العرقية المختلفة، وإن كانت الأمور تميل لكفة الأكراد الذين انتشروا في كركوك بعد سقوط نظام البعث، بقصد تغيير المعادلة السكانية لمصلحتهم الخاصة، تمهيداً للإعلان عنها "كمدينة كردية"، وضمها إلى إقليم كردستان، كما يصر الأكراد على ضرورة اعتماد الفيدرالية نموذجاً للحكم في العراق، ليكون مقدمة للانفصال بعد سنوات من التمرس السياسي والخبرة العملية، وهم يعملون على تغيير الإطار الإقليمي الرافض لهذا المشروع.

وقد تم تدعيم سياسة الإصرار هذه، التي اعتمدها التحالف الكردستاني، عبر مواقف القيادات الكردية الحاكمة المتمسكة بضم كركوك لإقليم كردستان ورفض أي حل غير ذلك، وتبني خطاب تحريضي يقول إن "كركوك كردية"، رغم أن الإحصاء السكاني الذي أجري عام 1957، والذي يعتبره الأكراد الأكثر صدقية، كشف أنهم لا يمثلون الأغلبية في المدينة؛ حيث بلغت نسبتهم 33.26%، في حين بلغت نسبة التركمان آنذاك نحو 37.62%، و22.53% للعرب، قبل أن تشهد نسبة السكان العرب نمواً ملحوظاً في العقود التي سبقت احتلال العراق، جراء سياسات النظام السابق التي انتهجت أسلوب التعريب السكاني، وهو ما تبين في إحصاء عام 1977؛ حيث تصاعدت نسبة العرب لتصل إلى 44.4% بينما وصلت نسبة الأكراد إلى 37.33% في حين تراجعت نسبة التركمان إلى 16.31%.

وكان عام 1991 عاماً كاشفاً لجهة السعي إلى وضع مدينة كركوك تحت الوصاية الكردية؛ حيث حاول الأكراد استثمار الوضع الأمني المتخلخل عقب انتهاء حرب الخليج الأولى، واندفعت قوات البشمركة إلى المدينة في محاولة لضمها إلى المناطق الشمالية الكردية، لكن المدينة لم تكن ضمن ما يعرف بمناطق حظر الطيران، أو ما كان يطلق عليه "الملاذ الآمن"، وبقيت تحت إدارة حكومة بغداد.

وإبان سنوات التسعينيات من القرن الماضي، كانت كركوك محور نشاط الأكراد، وغالباً ما كانت محافل المعارضة العراقية، تتحدث عن "الأغلبية الكردية" في المدينة، وحقها في أن تكون جزءاً من كردستان، كما حاول الأكراد استغلال علاقاتهم الوطيدة مع الأمريكيين والإسرائيليين للمطالبة بضم كركوك إلى "إقليمهم الآمن"، لكن تحول الكيان الكردي إلى دولة مستقلة لم يكن بالأمر اليسير، وكان يتطلب قبولاً تركيا وإيرانياً، وهو ما لم يُسمح به، جراء المخاطر الكيانية التي ستواجه الطرفين التركي والإيراني من التداعيات المحتملة لهذا الأمر. ومن المؤكد أن دول الجوار تخشى سيناريو "النار الممتدة"، والتي لن تبقى محصورة في العراق، بل سيصل تأثيرها إلى المنطقة بأسرها، كما يخشى البلدان من تنامي المد القومي الكردي في المنطقة، والذي قد يجعل أكراد تركيا وإيران يتأثرون بما يحدث في العراق، ويسعون إلى تحقيق ذات المكاسب والمزايا التي تحققت لنظرائهم العراقيين، بهدف بلوغ حلم الدولة الكردية الكبرى التي قسمتها معاهدة سايكس بيكو الاستعمارية، ولذا شهدنا تدخلاً تركياً عسكرياً لمطاردة المتمردين الأكراد المتحصنين في شمال العراق، أعقبه إغلاق إيران لحدودها مع شمال العراق.

وقد تصاعد الجدل والسجال الدائر حول كركوك خلال الأيام الماضية، ويقال إن عملية شراء الذمم من قبل التحالف الكردستاني بلغت ذروتها داخل البرلمان العراقي، بهدف تأجيل الانتخابات المقررة في كركوك وعدم تقسيمها إلى 4 مناطق انتخابية، وسبق ذلك دعوة قائمة التآخي الكردية في مجلس المحافظة إلى الانضمام إلى إقليم كردستان، وإعلان البرلمان الكردي عدم شرعية قانون الانتخابات المحلية، الذي أقره البرلمان العراقي في يوليو/تموز الماضي، ونقضته الرئاسة العراقية فيما بعد، لكونه يخالف الدستور.

وتواجَه فكرة إلحاق كركوك بإقليم كردستان برفض العرب والتركمان؛ الأمر الذي كان سبباً في تأجيل تطبيق المادة 140 من الدستور، والتي تنص على إجراء استفتاء في المدينة لتحديد إدارتها، بالتزامن مع القيام بعملية التصحيح والتطبيع السكاني، والتي تهدف إلى تجاوز الأوضاع التي فرضها النظام السابق في مدة أقصاها 31 ديسمبر/كانون الأول الماضي (2007)، كما تم تأجيل موعد الاستفتاء الذي كان مقرراً في يونيو/حزيران 2008 بسبب حراجة الأوضاع الداخلية، وهشاشة الأمن المتحقق، والحاجة إلى إجراء مزيد من المباحثات حول الاختلافات القائمة في مواقف القوى المختلفة (الأكراد والعرب والتركمان) بشأن عائدية المدينة، غير أن العرب السنّة يملكون موقفاً اعتراضياً شرعياً؛ لأنهم وُعدوا بتعديل الدستور بعد صدوره، ولكن ما هو مطلوب تعديله يعتبر خطاً أحمر بالنسبة للأكراد.

وقد تركز الرفض الكردي لقانون الانتخابات المحلية الأخير على المادة 24، التي تنص على تقسيم كركوك إلى 4 مناطق انتخابية، بنسبة 32% لكل من العرب والتركمان والأكراد، ونسبة 4% للأقليات الأخرى، قائلين إن إقحام هذه المادة في قانون مجالس المحافظات لتوزيع المقاعد في كركوك يخالف مبدأ الديمقراطية ونص المادة 140 من الدستور، وطالبوا بأن يكون التصويت في الانتخابات عاماً من دون تحديد نسب معينة، بذريعة الخوف من تكرار هذه الصيغة في محافظات أُخرى متعددة القوميات كديالى والموصل. ويطمح الأكراد إلى الحصول على نسبة أصوات عالية في الانتخابات القادمة لإظهار تفوقهم في كركوك، مما سيخدم مطلبهم بضم المدينة، التي يعتبرونها عاصمتهم التاريخية، إلى كردستان العراق.

ولهذا فشل البرلمان العراقي في عقد جلسته الاستثنائية مطلع أغسطس الجاري لإقرار قانون مجالس المحافظات، رغم تعدد اللقاءات الماراثونية التي جرت بين الأحزاب السياسية المختلفة، وبمشاركة أمريكية وأممية، مما يرجح احتمال تأجيل الانتخابات إلى السنة المقبلة، يعزز من ذلك تمسك الأكراد بموقفهم، ولاسيما أنهم يعتقدون أن الوقت الحالي ملائم لتحقيق ما يريدون؛ فهم أقوياء بما فيه الكفاية، ولهم أصدقاؤهم وحلفاؤهم من الأمريكيين والإسرائيليين الذين يدعمون مواقفهم، ويعيشون مناخاً يتسم بالاستقرار، وقد فتحوا أبواب إقليمهم للاستثمارات الخارجية، وهم يشعرون بقوتهم في مقابل عرب يتصارعون فيما بينهم، وتتقاذفهم تجاذبات دول الجوار السياسية والمصلحية والطائفية.

كما أن هناك ثلاث قضايا خلافية أخرى ما تزال عالقة، وقد تحول دون التوصل إلى اتفاق جديد، وهي تتعلق بمطالب التحالف الكردستاني، يتعلق المطلب الأول بتأكيد عدم تعارض عمل اللجنة النيابية المشكلة بموجب المادة 24 من قانون الانتخابات المحلية، والخاصة بتدقيق سجلات الناخبين وتحديد يوم الانتخابات، مع المادة الدستورية 140 حول تطبيع الأوضاع في كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها، ويدور المطلب الثاني حول دفع تعويضات حكومية للمهجرين الأكراد أيام النظام السابق، وأخيراً المطلب الخاص بالتمسك بقانون 13 لسنة 2007 والخاص بتكوين الأقاليم، والذي يطالب بأن تخضع كركوك لكل القوانين التي تسري على محافظات العراق الأخرى.

ومع أن الحصول على الأغلبية الكردية في كركوك ليست بالأمر المستبعد جراء سياسة التهجير القسري والإحلال التي اتبعتها قوات البشمركة الكردية في المدينة منذ غزو العراق عام 2003، فإن تطبيق نتائج الاستفتاء يتطلب عقد صفقة مع سكان المدينة من غير الأكراد، لمنعهم من إفشال المشروع الكردي، وبإمكاننا تصور شكل الصراع حول المدينة، إذ سيضم مختلف القوى العرقية والدينية في المدينة، ويمكن أن تشارك فيه أطراف أخرى رسمية كالحكومتين التركية والعراقية وحكومة إقليم كردستان.

ولا شك في أن الحكومة العراقية تتحمل وزر الاستحواذ الكردي على مدينة كركوك بكل ما رافقه من تجاوزات اعتمدت القسر والإلغاء والترحيل؛ حيث تركت أمر الأمن بيد قوات البشمركة، وتغيبت عن إدارة قطاعات الاقتصاد والسياسة والخدمات، وكأنها تريد غض الطرف عما حدث ويحدث، لجهة تغيير المعادلة السكانية والعرقية في المدينة، غير أن استمرار هذا الغياب الحكومي لم يعد مقبولاً. ويتعين على كل الأطراف أن تدرك أن كركوك مدينة تمثل كل العراق، وهي تضم جميع العرقيات والطوائف بنسب متباينة، ولهذا فإن إلحاقها بهذا الطرف أو ذاك سيكون عملاً بالغ الخطورة والعواقب، كما أن فرض السيطرة الكردية على كركوك، بصورة إقصائية، أو بواسطة التصويت المستند إلى الأغلبية البسيطة، وعلى أسس أثنية، يمثل طريقاً نهايته الفوضى والصراعات المفتوحة.

Share