قيادات جديدة للاستخبارات الإسرائيلية: الخصائص واتجاهات الأداء

  • 9 ديسمبر 2010

اعتباراً من مطلع العام القادم (2011)، سيتسلّم تامير باردو منصب رئيس "مؤسسة الاستخبارات والمهام الخاصة" في إسرائيل، المعروفة باسمها الأول "الموساد"، خلفاً لمئير داغان الذي مضى في هذا المنصب ثمانية أعوام.. وفي الثاني والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي تسلّم اللواء أفيف كوخافي منصب رئيس شعبة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي، المعروفة اختصاراً باسم "أمان"، خلفاً للواء عاموس يادلين الذي أمضى في منصبه نحو خمس سنوات. ومع هذين التغيّرين لقيادتي الجهازين الاستخباريين الرئيسين في إسرائيل، ثمة ما يدعو إلى تحري الخصائص واتجاهات الأداء لكل منهما على جبهة الصراع، تبعاً لواقع المشكلات والتحديات التي يتم التصدي لمعالجتها.

ففي جهاز "الموساد"، بصرف النظر عن رئيسه، الذي يتبع تنظيمياً لرئيس الحكومة مباشرة، تتركز الأعمال التي يقوم بها هذا الجهاز على  جمع المعلومات وتنفيذ العمليات الخاصة الخارجية، وفي مقدمتها؛ منع تسلح الدول المعادية بالأسلحة النوعية وغير التقليدية، وإحباط النشاطات التي تستهدف المصالح الإسرائيلية واليهودية في الخارج، وإقامة علاقات سرية خاصة مع الدول والقوى المختلفة، وتوفير مواد استخباراتية حول التوجهات السياسية والاستراتيجية للدول، ورصد ودراسة الميول الشعبية والتأثير فيها على نحو محدد مسبقاً، ومساعدة يهود العالم، وخاصة في البلدان التي لا يمكن الهجرة منها إلى إسرائيل.

وفي شعبة "أمان"، بصرف النظر عن رئيسها، الذي يتبع تنظيمياً لرئيس أركان الجيش الذي يأتمر بأمر الحكومة عبر وزير الدفاع، تتركز الأعمال التي تقوم بها هذه الشعبة على تقديم معلومات استخباراتية للجيش ولوزير الدفاع وللحكومة، وفي مقدمتها؛ المعلومات والدراسات التي تفيد في تقدير قدرات الأطراف المعادية وفهم دوافعها وتوقّع توجهاتها، وتحذير القيادة الإسرائيلية من نشوب الحرب أو شن عمليات ضد إسرائيل، ومن تطوير العدو أسلحة ومعدات قتالية غير تقليدية، والمساعدة على تحييدها، وتنفيذ عمليات خاصة. فضلاً عن دعم الأمن المعلوماتي وتجهيز تقنيات مهنية استخباراتية ومعلومات للعمليات الميدانية للجيش وللأجهزة الأمنية الأخرى.

لقد شكّلت هذه المهام الرئيسة، للجهازين الاستخباريين، المجال الوظيفي الذي يؤطر عملهما  في مختلف المراحل الماضية، وستظل كذلك في الحاضر والمستقبل، ويُعدّ مستوى أداء القيادة لكل منهما معياراً للنجاحات أو الإخفاقات لديهما.

وفي ظل قيادة الرئيسين الجديدين، من المفترض أن تحدث تغيرات في الجوانب الوظيفية والفنية لعمل كل منهما، وضمناً مجال التعيينات الشخصية. ولكنْ يظل منحى هذا العمل منسجماً مع السياق الكلي للمشكلات التي تعاطى معها سلفاهما.. فماذا عن العام والخاص في هذا الشأن؟.. وكيف ستترك السمات الشخصية لكل من الرئيسين الجديدين بصماتها على وظائف الجهاز؟.   

بخصوص الرئيس الجديد للموساد، تامير باردو(57 عاماً)، يبيّن استعراض سيرته أن هناك ملامح خطوط عريضة لعمله، بتأثير العديد من وقائع خبرته الماضية. وبرأي نتنياهو؛ إن باردو "صاحب خبرة طويلة في المجال العملي، كما أنه ملمّ إلماماً جيداً وعميقاً بطبيعة عمل جهاز الموساد، الأمر الذي يجعله الرجل المناسب لقيادة هذا الجهاز في ظل تحديات مركّبة من المتوقع أن تواجهها إسرائيل في السنوات الخمس القادمة".

وفي التفاصيل؛ انتقل باردو من الجيش إلى الموساد عام 1980، لأداء أدوار في المجال التقني، وخدم في مسار تنفيذي في مناصب متعددة، وابتداءً من عام 1988 تبوأ مناصب قيادية في الأقسام المختلفة، بما في ذلك رئيس لشعبة "نفيعوت"، المسؤولة عن حملات التسلل إلى أهداف مختلفة لغرس أجهزة تنصت وتصوير فيها. لهذا قد يولي باردو اهتماماً خاصاً لهذه المسألة في المرحلة المقبلة، مستفيداً من دروس الإخفاقات الماضية، وأبرزها؛ اكتشاف التنصت على الاتصالات في لبنان.

ويُفهم من تعيين باردو أنه يشكل علامة على تزويد الجهاز بكفاءة جديدة تمكنه من مواصلة عمله، بالوتيرة ذاتها على الأقل؛ حيث كان باردو نائباً لرئيس الموساد، واستقال من منصبه هذا عام 2006 حينما رفض مئير داغان التوصية به كمرشح لخلافته، ثم عاد باردو لمنصبه عام 2007،  بعد استقالة نائب داغان، لكنه عاد وقدّم استقالته مجدداً عام 2009 بعدما مُددت ولاية داغان عاماً إضافياً، فأدار باردو شركة للقمار على الإنترنت يملكها رجل الأعمال نوعم لنير.

ويمتلك باردو خبرة غنية في العمل الفكري والتقني بالموساد، فهو خريج جامعة تل أبيب في السياسة والتاريخ، وصاحب اطلاع واسع في الرياضيات والفيزياء. وفي عام 2005 بعدما كان رئيس شعبة في الموساد، تمت إعارته لهيئة الأركان العامة بصفة مستشار في شؤون العمليات، وهنا تعمقت علاقته مع قائدي شعبة العمليات والجبهة الشمالية على وجه الخصوص. وفي حرب تموز عام 2006 قام بدور المنسق بين الموساد وهيئة الأركان العامة.

لكن باردو لا يمتلك خبرات كبيرة في الاستخبارات البشرية (يومنت)، الخاصة بالبحث والتجنيد وتشغيل العملاء، وهذه خاصية خطيرة، ولا سيما بعد اكتشاف شبكة الجواسيس في لبنان واكتشاف شبكة عملية اغتيال القيادي في "حماس" محمود المبحوح، كمثالين بارزين على الضعف الذي تعاني منه قيادة الموساد والجهاز عموماً.

ويُستشف من التقارير الصحفية الإسرائيلية، أن قرار نتنياهو بتعيين باردو رئيساً للموساد انطلق من ثلاثة اعتبارات مركزية، أهمها؛ معرفة باردو العميقة للميدان العملياتي الذي يجمع بين التكنولوجيا والعنصر البشري، وهو "ميدان الصيد" الأساسي حالياً للموساد. والثاني، توصيات قادة الموساد الحاليين والسابقين بتعيينه، والخشية من أن يؤدي تعيين رئيس للموساد من خارج الجهاز إلى زيادة الإحباط داخله. والاعتبار الثالث، المعرفة الشخصية بين الرجلين وقدرتهما على العمل المشترك، حيث يرتبط باردو بعلاقة صداقة شخصية مع عائلة نتنياهو منذ كان باردو ضابط اتصال في وحدة الأركان "سييرت متكال" التي قادها شقيق نتنياهو يوني الذي قتل في عملية عنتيبي (أوغندا 1976/ لإطلاق سراح الرهائن المخطوفين في طائرة الخطوط الجوية الفرنسية(، وربما منحت خدمة باردو العسكرية مع شقيق نتنياهو نقاطاً للفوز بمنصبه الجديد.

وتذهب التقديرات إلى أن باردو، صاحب التجربة الغنية في العمليات، سيواصل ما يسمى "ميراث داغان"، الخاص بتحويل الموساد إلى جهاز ذي قدرة عملياتية بعيدة المدى، وبالأساس خلق صورة للجهاز بأنه ذو قدرات ضخمة. واتساقاً مع ذلك، إلى جانب الملفات الداخلية للجهاز وإعادة ترتيب وتنظيم الكثير من القضايا وبناء الثقة بين العاملين فيه والتخلص من آثار الفضائح الأخلاقية التي تورط بها بعض قادة الجهاز، ستكون مهمة باردو الأساسية مواجهة المشروع النووي الإيراني ومواصلة التعاون مع أجهزة المخابرات في العالم، وهي المهمة التي أخفق فيها سلفه داغان الملقب بـ"رامبو الإسرائيلي"، على الرغم من اهتمامه المفرط بذلك.

وحسب توقعات مبرّرة، سيكون موضوع حزب الله وعلاقته مع سورية وإيران على الدرجة ذاتها من الأهمية. كما يتعين على باردو توطيد مسار التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وفي الوقت ذاته مواجهة تعاظم النشاط الفلسطيني على الساحة الخارجية، مروراً بالتنسيق بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية ومثيلاتها في بعض الدول العربية من أجل التصدي لبعض الأخطار المشتركة. وسيكون ملف التعاون المخابراتي مع بعض الأجهزة الأمنية العربية من أولويات باردو، وضمناً تجاوز التداعيات السلبية التي أفرزتها تسريبات "ويكيليكس". كما سيكون من أولوياته ملف التعامل مع اللاجئين الأفارقة، وخاصة بعد اتهام داغان بالتقاعس عن التعامل مع هذه المشكلة أمنياً، وتوجيه اتهامات لبعض هؤلاء اللاجئين بأنهم جواسيس أو "رادارات بشرية" تزرع في إسرائيل.

تتقاطع بعض وجوه هذه المهام التي سيؤديها باردو مع اختصاص رئيس "أمان" الجديد أفيف كوخافي(46 عاماً).. إلا أن هذا الأخير يتأخر بمراتب عن باردو، من حيث القدرات الاستخبارية، لاعتبارات تتعلق بمسار خدمته ومجال خبرته في موضوعات الوظيفة التي أنيطت به. فلم يسبق لكوخافي أن عمل في مجال الاستخبارات، بصيغة مهنية، بل كان ضابطاً مقاتلاً.. ولكن يُحسب لكوخافي أنه يمتلك مؤهلات عالية، تمزج بين الميداني والأكاديمي وثقة القيادة به؛ فميدانياً؛ التحق كوخافي بكتيبة المظليين عام 1982، إبان حرب لبنان، وتولى منصب قائد القطاع الشرقي في لبنان، وبعد ذلك عين قائداً لكتيبة المظليين خلال حملة ما يسمى "السور الواقي"(اجتياح الضفة الغربية عام 2002). وعين قائداً لفرقة غزة. وخلال توليه منصبه الأخير وقع الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في أسر المقاومة الفلسطينية. ثم عيّن كوخافي في منصب رئيس قسم العمليات في شعبة العمليات في الأركان العامة. وعموماً، يُعرف عن كوخافي أنه أحد الضباط الميدانيين البارزين، واعتُبر منذ قيادته لواء المظليين مرشحاً لمنصب رئيس الأركان. 

أما أكاديمياً؛ فيتميز كوخافي بأنه خريج كلية القيادة العسكرية، وحاصل على اللقب الأول في الفلسفة، واللقب الثاني في الإدارة العامة من جامعة هارفارد، وعلى لقب آخر من جامعة جون هوبكينز في الولايات المتحدة. أما في مجال العلاقات؛ فيُفترض أن تكون صلته الجيدة جداً برئيس الأركان العتيد يوآف غالانت، والثقة التي يوليها له وزير الدفاع إيهود باراك، قد ساعدتاه في الفوز بمنصب رئيس "أمان".

ومن الناحية الوظيفية، تسلّم كوخافي منصبه في أكثر الفترات حساسية، حيث هناك المفاوضات مع الفلسطينيين، وإمكانية حدوث سخونة مع قطاع غزة، والخشية من حدوث تغيرات نوعية في لبنان، وموقف سورية، والتهديد النووي الإيراني، وتعاظم القدرات العسكرية الإقليمية.

وفي ضوء ذلك من المرجّح أن يكون كوخافي حالياً منغمساً في بحث تفاصيل رزمة المهام التي سيؤديها، وتحديد المفردات العسكرية بما ينسجم مع الخطوط العريضة لوظيفة شعبة الاستخبارات العسكرية. لهذا يولي اهتماماً كبيراً لحالة انهيار المفاوضات، وللمعركة المقبلة مع حكم "حماس" في قطاع غزة، التي يعتبرها بعض القادة العسكريين الإسرائيليين بمنزلة "أمر حتمي"، مع كيفية استعادة الأسير شاليط. كما أن كوخافي معني ببلورة -أو ربما تجديد-  خطة لمواجهة سيطرة حزب الله على الحكم في لبنان، التي يعتقد الإسرائيليون أنها ستحدث في اليوم التالي لصدور قرار المحكمة الدولية الظني. هذا إلى جانب الحفاظ على "تراث يادلين" سلفه في المنصب بشأن إيران.

وكغيره من الضباط الذين وردت أسماؤهم ضمن قائمة مجرمي الحرب المائتين المشاركين في العدوان على غزة(عملية الرصاص المصبوب)، سيكون كوخافي حذراً لدى تنظيم زياراته لدول العالم. لكنه سيركز، ومعه رئيس الموساد الجديد باردو، على تأمين المظلة الأمريكية لإسرائيل على المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية والاستخبارية، وسواها. كما سيبذلان جهوداً مضنية لتحسين مواقع إسرائيل في البيئة الاستراتيجية الإقليمية والدولية. وبذلك، سيضيفان عوامل جديدة على جبهة الصراع مع العرب.

Share