"قوة توازن" من أجل إنقاذ الجزائر

  • 2 يونيو 2002
إذا كانت جبهة التحرير الوطني قد حققت الفوز بالأغلبية في الانتخابات التشريعية الجزائرية التي جرت يوم الخميس الماضي، فإن النخبة السياسية والشعب الجزائري أيضا، قد فازوا جميعا بالمحافظة على "الشكل الديموقراطي" للنظام الحاكم من خلال التمسك بخيار الانتخابات كطريقة سلمية لإدارة الخلاف داخل المجتمع الجزائري رغم العنف الدموي الذي تعيشه البلاد على مدار أكثر من عشر سنوات. وهذا العنف كان من المتوقع أن ينال من عزم الشعب الجزائري على السير قدما في طريق الديموقراطية، حسب رأي البعض، باعتبار أنه اندلع إثر الاعتراف بالتعددية الحزبية، بعد عقود من الاستقرار في ظل حكم "الحزب الواحد", لكن الجزائريين أظهروا وعيا ملموسا بأنه لا بديل من هذا النهج في مواجهة مختلف مشكلاتهم الداخلية، وليس العنف فحسب، ولذا أجريت انتخابات تشريعية سابقة عام 1997، وانتخابات رئاسية جاءت بالرئيس عبدالعزيز بوتفليقة إلى سدة الحكم في أبريل عام 1999، وها هي الانتخابات التشريعية الأخيرة، تؤكد التمسك بهذا النهج.

وفي ظل الاقتناع التام بضرورة التعددية، فإن المطلوب من النخبة السياسية الجزائرية أن تجعل من هذا التنوع السياسي مصدر إثراء للحركة الاجتماعية بما يقود إلى الاستقرار والتنمية، وليس مصدر تناحر يطيل أمد العنف المسلح، ويعوق أي جهود تبذل في سبيل إخراج البلاد من ظروفها الاقتصادية الصعبة. وهنا يصبح من الضروري أن يأخذ الجميع تصريحات علي بن فليس رئيس الوزراء زعيم الجبهة الوطنية، التي قال فيها إنه سيحول الجبهة إلى " قوة توازن" تستوعب التيارات السياسية جميعها على محمل الجد، دون أن يتم الافتئات على حق أي حزب أو جمعية سياسية أن تبقى خارج هذه الجبهة، شريطة أن تمارس عملا سياسيا سلميا، وتؤمن بالتعددية، التي تعني أحيانا في الحالة الجزائرية "حق الآخر في البقاء". ومن الضروري أيضا ألا يعتقد أي من الأطراف أن التعددية السياسية هي المسؤولة عن العنف، إذ إن الارتداد عن الديموقراطية، بإلغاء نتائج انتخابات 1991, كان هو المحرك الأساسي للعنف.

لقد فتح ابن فليس أبواب حزب جبهة التحرير الوطني أمام الشباب والنساء منددا بما سماها "العقول المتخلفة" في الجبهة، ولم يكتف بالأقوال بل استبعد كل وجوه الحرس القديم التي ترمز في نظر الشعب الجزائري إلى الفوضى والفساد والاستبداد. وهذا الإجراء يعني أن الجبهة قد عادت إلى السلطة من باب يختلف عن سابقه، بما يرشح البلاد إلى حقبة سياسية يعول عليها الجزائريون في إخراجهم من دائرة العنف الدموي، بعد الخطوة التي اتخذها الرئيس بوتفليقة على هذا الدرب من خلال سنه قانون "الوئام المدني", لكن الأمور لن تجري بسهولة تجاه إعادة الاستقرار إلى ربوع الجزائر، في ظل عناد الجماعات المسلحة التي ترفض الخيار الديموقراطي وتصر على إشهار السلاح في وجه الجميع، وفي ضوء وجود احتقان منطقة القبائل من الحكومة ومقاطعتها للانتخابات، وفي ظل وجود أجنحة داخل السلطة نفسها لا تزال تؤمن بأن استئصال "الجماعات المسلحة" خيار لا يقبل النقاش.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات