قنبلة ايران بين خيارات الحرب واحتمالات تسوية قطع الأذرع

  • 29 أبريل 2010

أصبح من المعلوم أن الوقت وحده هو ما يفصل إيران عن امتلاكها لسلاح نووي. هذه الخلاصة هي عصارة تقارير دولية عدة، تحذر من أن العام 2012 هو العام الذي ستصبح فيه إيران عضواً في النادي النووي.

مع بروز هذا المعطى الخطير، كثر الكلام مؤخراً في الأروقة السياسية الدولية والعربية عن حرب تطال إيران ومفاعلاتها النووية المنتشرة على طول الأراضي الإيرانية. وإذا كان من المؤكد أن أي ضربة استباقية على طهران ستشعل المنطقة وتغير خارطتها الجيوسياسية، فإن الدول العربية، التي لا حول لها ولا قوة، قد تجد نفسها مضطرة إلى التكيف مع فكرة وجود دولة نووية جديدة على خاصرتها، من الممكن أن تفرض تسويات جديدة في المنطقة.

واضح أن واشنطن وتل أبيب تفكران جدياً بالخيارات العسكرية للحد من الطموح النووي الإيراني. لكن هذه الخيارات دقيقة وتحتكم في النهاية إلى معايير الربح والخسارة على المستويين السياسي والعسكري. فماذا لو نُفذت هذه الخيارات؟

فيما يتعلق بالخيار الأول، الهجوم الأمريكي على إيران: تدرك واشنطن الغارقة في مستنقعي العراق وأفغانستان، أن أي هجوم تقوم به سيعرّض قواتها هناك إلى ضربات انتقامية من المجموعات الموالية لإيران، وسيقوض الجهود الأمريكية لفرض الاستقرار في هذين البلدين قبل انسحابها عام 2011، إضافة الى أن السفن الحربية الأمريكية المرابطة في الخليج العربي لن تكون بمنأى عن الصواريخ الإيرانية، مثلما أن الدول الخليجية لن تكون بعيدة عن مرمى طهران مع ما يستتبع ذلك من انعكاسات على هذه المنطقة النفطية الحيوية.

سياسياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، فالإدارة الأمريكية تعلم أن أي هجوم سيهدم كل ما بناه الرئيس أوباما من رصيد ومصداقية لدى العالم العربي والإسلامي بعد خطابه التاريخي في جامعة القاهرة، ما سيؤثر سلباً على مجريات العملية السلمية في الشرق الأوسط. ومن المعروف أن الرئيس أوباما فاخر برصيده السياسي الذي بناه في الأشهر الأولى من ولايته، وراهن على نجاح العملية السلمية في المنطقة، وهو رهان يُجمع المحللون على انطلاقه من قناعات شخصية لدى الرئيس الأمريكي فضلاً عن تعبيره عن مصلحة استراتيجية للولايات المتحدة التي وصلت، على مستويات عدة في دوائر صنع القرار، إلى القناعة بأن جزءاً أساسياً من مشكلة الإرهاب مرتبط بعدم التوصل الى تسوية للقضية الفلسطينية.

يضاف إلى كل ذلك أن الرهان الأمريكي على حدوث تغيير داخلي في إيران لا يزال قائماً بالرغم من خفوت وهج "الثورة الخضراء". ولا يخفى أن واشنطن تبني جزءاً من سياستها "الإيرانية" المستقبلية على دور محتمل لهذه الثورة في رسم السياسة الداخلية الإيرانية يؤدي الى "تعديل سلوك" النظام إن لم يكن في الإمكان إحداث انقلاب في التوجهات المتشددة لملالي طهران. لكن قبل أن يتحقق هذا الحلم الأمريكي، فإن أي هجوم بحجة ضرب القدرات النووية للجمهورية الإسلامية سيوحّد الإيرانيين حول النظام، بغض النظر عن انقساماتهم السياسية، وذلك نظراً للشعور القومي "المنتفخ" الذي يتمتع به المجتمع الإيراني.

أما الأكيد فهو أن الولايات المتحدة تمارس في هذه المرحلة سياسة "إدارة الأزمة" ممسكة بطرفي الخيط. فهي من جهة تدعم فرض عقوبات قاسية وفعالة على طهران، ومن جهة أخرى تضغط على إسرائيل لثنيها عن شن أي هجوم يدخل المنطقة في نفق نظلم.

وفيما يتعلق بالخيار الثاني الخاص بتوجيه ضربة إسرائيلية إلى إيران: يعتبر الإسرائيليون أن امتلاك إيران قنبلة نووية، هو تهديد وجودي وكياني للدولة العبرية. وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عندما تحدث في الأمم المتحدة مشدداً على دور "المحرقة" في رسم التاريخ اليهودي المعاصر، ومؤكداً أنه يتحمل مسؤولية عدم وقوع كارثة كبرى أخرى. ولذلك، تُعد الحسابات الإسرائيلية لضربة استباقية من أدق الحسابات السياسية والعسكرية في تاريخ دولة إسرائيل.

عسكرياً، أضحى من المسلّم به أنه بالإمكان قصف المنشآت النووية الإيرانية، وليس المعرفة العلمية النووية. فكما نشرت إيران منشاّتها النووية على نطاق واسع، فإنها نشرت علماءها ومهندسيها النوويين في مناطق عدة لضمان إعادة البناء بعد أي هجوم. فالنظرية الرائجة حالياً تشير إلى أن ضرب المفاعلات النووية الإيرانية يشبه "جز العشب" الذي ما يلبث أن ينبت مجدداً، وبالتالي فإن الضربة ستؤجل فقط حصول إيران على القنبلة.

هناك، عدم قدرة إسرائيلية على التنبؤ بردات فعل أذرع إيران في المنطقة، من "حزب الله" إلى "حماس"، في حال نشوب الحرب. فـ"قمة الممانعة" التي انعقدت في دمشق أربكت الإسرائيليين، وأظهرت لهم التحالف العضوي المتماسك لهذه القوى، وأضافت مزيداً من الغموض على نوايا هذا المحور وقدراته الفعلية ومدى تصميمه على خوض حرب شاملة في حال تعرض أي طرف منه لاختبار إسرائيلي عسكري.

سياسياً، تمر العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية بمطبات كثيرة. وبالطبع فإنه لا يمكن للعرب التوهم بأن واشنطن ستتخلى عن إسرائيل في حال اندلاع حرب، لكن الأكيد أن قراراً بهذا الحجم سيحتاج إلى موافقة  أمريكية مسبقة، وتشير المعلومات إلى أن ظروف نضوج قرار خطير من هذا النوع ليست موجودة.

في المقلب الآخر من الاحتمالات، فإن حصول إيران على قنبلة نووية يمكن أن يؤدي إلى تسويات جديدة في المنطقة. فإيران نووية ستحد من قدرة إسرائيل على خوض الحروب التقليدية العسكرية، ما يعني أن القوة الردعية الإسرائيلية ستكون في مهب الريح. ويجري الكلام في الأروقة الإسرائيلية عن معادلة توازن جديدة في المنطقة، وهي المعادلة النووية- النووية وليست معادلة نووي- نووي + "حزب الله" و"حماس"، وبموجب هذه المعادلة تسمح إسرائيل لإيران بامتلاك القنبلة- طبعاً رغماً عنها- في مقابل تفكيك القدرة العسكرية الأصولية لـ"حزب الله" و"حماس". وهنا لا يراهن الإسرائيليون على النوايا الحسنة لطهران، بل يريدون خطة متكاملة وجدّية لهذا النوع من التسويات الاستراتيجية، وهو ما يبدو أن ديبلوماسية موسكو وبكين آخذة في تلمسه والبحث فيه مع الأوروبيين.

Share