قمة مجموعة العشرين: إشارات لنظام اقتصادي عالمي جديد

قمة مجموعة العشرين: إشارات لنظام اقتصادي عالمي جديد

  • 7 أكتوبر 2009

ثمة اتفاق واسع بين المحللين والخبراء الاقتصاديين على اعتبار القمة الأخيرة لمجموعة الدول العشرين (والتي يطلق عليها اختصاراً مجموعة الـ 20)، والتي التأمت في بتسبرغ بولاية بنسلفانيا الأمريكية، خلال  يومي 24-25 سبتمبر 2009، حدثاً تاريخياً فاصلاً. فقد اعتمدت هذه القمة إحلال مجموعة العشرين محل نادي النخبة للدول الصناعية الغنية الكبرى، المعروف بمجموعة الثمانية. ومن ثم، غدت مجموعة العشرين المنتدى العالمي الجديد للسياسة الاقتصادية، وفقاً لإعلان القادة الذين حضروا القمة: "لقد اخترنا مجموعة العشرين لتكون المنتدى الرئيسي لتعاوننا الاقتصادي". وقد وصف البيت الأبيض القمة كجزء من عملية "تشييد البنية الاقتصادية الدولية للقرن الحادي والعشرين." كما أشاد الخبراء الاقتصاديون في كل أنحاء العالم بمجموعة العشرين؛ كونها الوريث الشرعي والجدير لمجموعة الثمانية؛ فهي تتيح ضمان تمثيل الفاعلين الأساسيين في الاقتصاد العالمي، سواء من الشمال أو الجنوب.

وتتألف مجموعة الدول العشرين، التي تأسست في عام 1999، من أعضاء مجموعة الثمانية (الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، ايطاليا، اليابان، وروسيا)، وأربع دول أسيوية (الصين، الهند، اندونيسيا، وكوريا الجنوبية)، وسبع دول أخرى هي (البرازيل، استراليا، الأرجنتين، جنوب أفريقيا، تركيا، المكسيك، والمملكة العربية السعودية)، بالإضافة إلى الاتحاد الأوربي، الذي يُمثل برئاسته الدورية والبنك المركزي الأوروبي. وهناك دولتان تتمتعان بصفة المراقب في المجموعة، وهما هولندا وإسبانيا. كما تحضر الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية اجتماعات المجموعة. ووفقاً لبعض التقديرات غير المؤكدة، تستحوذ الدول الأعضاء في المجموعة على أكثر من 85% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و80% من التجارة الدولية، وتمثل ثلثي سكان العالم. ومن الجدير بالملاحظة، في هذا المقام، أن اجتماعات مجموعة العشرين كانت تعقد على المستوى الوزاري (وزراء المالية ورؤساء المصارف المركزية)، ولكن، ونتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية، تحولت إلى الانعقاد على مستوى قادة الدول منذ العام الفائت‏. فعقدت أول قمة في واشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني(2008)، والتأمت الثانية في لندن في أبريل/نيسان (2009).

وبالإضافة إلى إحلال مجموعة العشرين محل مجموعة الثمانية كالمنتدى الاقتصادي العالمي الرئيسي، فإن من أهم الإنجازات الأخرى لقمة بتسبرغ هو اتفاق أعضاء المجموعة على جعل صندوق النقد الدولي هيئة تمثيلية حقيقية بزيادة قوة التصويت للبلدان الناشئة، مثل الصين والهند والبرازيل، التي كانت تشعر بتدني تمثيلها في هذه المنظمة المالية العالمية الرائدة، وتشتكي من عدم قدرتها على التأثير في عملية اتخاذ القرارات على صعيد الاقتصاد العالمي. ومن ثم، دعا البيان الختامي للقمة إلى تغيير نظام حصص التصويت في صندوق النقد الدولي بنسبة 5% على الأقل لصالح الاقتصادات الناشئة، بحلول عام 2011. يُذكر أن حصص التصويت في الصندوق تتوزع حالياً كالتالي: نحو 57% لصالح الدول الغنية مقابل 43% للدول النامية. وبالتالي، سيجعل التغيير الذي أقرته قمة بتسبرغ توزيع الأصوات بنسبة 50-50 تقريباً بين الطرفين. علاوة على ذلك، تم الاتفاق في القمة أيضاً على أن اختيار مدراء مؤسسات التمويل الدولية، خاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، يجب أن يتم بناء على الجدارة وليس بناء على الجنسية. ويعد هذا القرار مهماً للغاية؛ لأنه جرى العرف على أن يكون مدير البنك الدولي أمريكيا، فيما ينتمي مدير صندوق النقد الدولي دائماً إلى إحدى الدول الأوروبية. وبصورة أوسع، تم الاتفاق على إصلاح صندوق النقد الدولي؛ ليقوم "بدور أساسي في تشجيع الاستقرار المالي العالمي، وإعادة توازن النمو"، بحسب البيان الختامي للقمة.

ووفقاً لمعظم المحللين الغربيين، يعكس هذا التغيير اعترافاً من قبل الولايات المتحدة وأوروبا بواقع اقتصادي عالمي جديد، تؤدي فيه الاقتصادات الناشئة دوراً أكبر، ولاسيما بعد الأزمة المالية العالمية التي أضرت باقتصادات الدول المتقدمة أكثر مما فعلت بنظيراتها النامية. كأن هذا التغيير هو انعكاس لحالة الاقتصاد العالمي اليوم. وفي الحقيقة، أدى اعتماد مجموعة العشرين المنتدى الاقتصادي الدولي الرئيسي إلى طرح مجموعة من الأسئلة حول جدوى استمرارية مجموعة الثمانية التي تتشكل من دول العالم الصناعية، والتي كانت تحتل هذا الموقع لعقود. في هذا الخصوص، تنتشر الإشاعات في الدوائر الدبلوماسية بأن مجموعة الثمانية ستستمر في العمل، ولكنها ستركز على قضايا غير اقتصادية، مثل الانتشار النووي وتغير المناخ.

وقد تم الترحيب بالاتفاقات التي تم التوصل إليها في قمة مجموعة العشرين ببتسبرغ، والتي عدت نجاحاً كبيراً للرئيس الأمريكي باراك أوباما. فوفقاً لبعض المحللين، تعتقد إدارة أوباما أن تقوية مجموعة العشرين على حساب مجموعة الثمانية تصب في مصلحة الولايات المتحدة؛ فوجود الصين والهند في مجموعة العشرين يساعد على التخفيف من معارضة أوروبا لبعض التعديلات الهيكلية في إدارة الاقتصاد العالمي التي تفضلها أمريكا، مثل تعديل تشكيل مجلس إدارة صندوق النقد الدولي. علاوة على ذلك، فإن إعطاء الدول النامية مزيداً من سلطة البت وإبداء الرأي في صندوق النقد الدولي، ومنحها تأثيراً أكبر في الشؤون الاقتصادية الدولية سيساعد أوباما في سعيه لدفع الدول المصدرة الكبرى، مثل الصين، إلى زيادة الطلب المحلي، ومن ثم مساعدة الاقتصادات الأبطأ نمواً، مثل الولايات المتحدة، في إيجاد أسواق جديدة. ومع ذلك، فإن السرعة التي وافقت بها مجموعة العشرين على التغيير قد فاجأت المحللين؛ بسبب الطبيعة السياسية الحساسة للموضوع بالنسبة لأوروبا التي ستشهد أكبر تآكل في قوتها التصويتية في الصندوق.

من ناحية أخرى، فإن دول الاقتصادات الناشئة ليست راضية تماماً على التغييرات، على الرغم من ترحيبها بها كخطوات في الاتجاه الصحيح. في هذا الصدد، يجزم الصحفي الهندي المعروف سيدهارت فاردهراجن، الذي يكتب في الجريدة الهندية الشهيرة ذا هندو، بأن الولايات المتحدة وأوروبا واليابان قد وجدت أن من الملائم لإدارة النفوذ الاقتصادي الصاعد للاقتصادات الناشئة وضعها في مجموعة كبيرة وغير مترابطة مثل مجموعة العشرين، بدلاً من إعطائها، ولاسيما الصين والهند والبرازيل، مكاناً في مجموعة الثمانية؛ إذ إن ذلك سيقلب الأغلبية التي تتمتع بها دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والدول الغربية في اتخاذ قرارات دولية استراتيجية في صالحها. ولذلك، يقرر فاردهراجن: "بما أن لأوروبا حضوراً غير متناسب في مجموعة العشرين، فإن تخفيض درجة حضورها لإفساح المجال أمام الاقتصادات الناشئة طريقة أقل كلفة لتشجيع هذه الاقتصادات لدعم المبادرات الأوسع التي تقودها الولايات المتحدة؛ لتحفيذ الطلب العالمي، والفكاك من أسر الأزمة الاقتصادية الراهنة. ولكن على صعيد القضايا السياسية، مثل قضايا عدم الانتشار النووي، فإن مجموعة العشرين لن تسمح للولايات المتحدة بحرية العمل التي كانت تتمتع بها في مجموعة الثمانية، على الرغم من وجود روسيا في التجمع الأصغر".

وقد أثارت الاتفاقات الأخرى التي تم توقيعها في قمة مجموعة العشرين ببتسبرغ أيضاً ردود فعل متباينة. فقد تم التعبير بعبارات لا لبس فيها عن العنوان المؤثر "إطار عمل لنمو اقتصادي قوي ومستدام ومتوازن" بسلسلة من الالتزامات تعهدت بها الدول الأعضاء.  ومن أهم هذه الالتزامات تقوية المؤسسات المالية الدولية، إصلاح أدوات التنظيم والرقابة المالية، الإقرار بالحاجة إلى إشراف تنظيم أكثر دقة للأدوات المالية، رفع المعايير في مجال رؤوس الأموال للبنوك، وضع قواعد دولية صارمة للمؤسسات المالية "بالنسبة للمخاطرة والحوكمة التي تربط المكافآت والأجور بالأداء في المدى البعيد وشفافية أكثر في العمليات"، والإبقاء على برامج التحفيز الاقتصادي إلى حين تجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، وقيام انتعاش له مقومات الاستمرار. علاوة على ذلك، اتفق زعماء المجموعة على الإلغاء التدريجي للدعم على النفط وأنواع الوقود الأحفوري الأخرى "في الأجل المتوسط"، وإنشاء صندوق متعدد الإطراف لزيادة الاستثمار الزراعي في البلدان الفقيرة، وتعزيز تحرير التجارة، وبصفة خاصة "إنجاز جولة الدوحة بشكل طموح ومتوازن في 2010".

ومن الجدير بالاهتمام، في هذا المجال، التحذير الذي أشارت إليه مقالة في "واشنطن بوست"، بعنوان: "مجموعة العشرين تضطلع بدور أكبر في الاقتصاد العالمي"، ومؤداه أن ما جعل الاتفاق سهلاً جداً للتوقيع أن الدول التي لا تفي بتعهداتها لا تواجه أية عقوبات". ويشير النقاد إلى أن مثل هذه الالتزامات تم تقديمها مرات عدة في الماضي، ولكن نادراً ما تنفذ؛ لأنها غير ملزمة. كما أعربوا أيضاً عن خيبة أملهم من عملية "مراجعة النظراء" التي تمت مناقشتها في القمة، والتي ستمكن الدول الأعضاء من مناقشة السياسات الاقتصادية لأي دولة ومراقبة أسواقها، ووضع آليات الشفافية المناسبة؛ من أجل المساعدة في توقع حدوث أزمة مماثلة. وقد قيل إن ألمانيا والصين قد أبديتا تحفظاتهما على هذه المبادرة، حيث وجدتا فيها آلية لمهاجمة سياسات الفوائض التجارية التي تنتهجها، كما انهما متوجستان من استمرار السيطرة الأمريكية على صندوق النقد الدولي. كما أثار الاقتصاديون والمحللون الشكوك حيال فعالية الإجراءات التي تم الاتفاق عليها في القمة للتغلب على الأزمة المالية الحالية. فأولاً، أشاروا إلى أن القمة فشلت في تقديم إجراءات حازمة في القطاع المالي، بما في ذلك فرض الحظر والمراقبة على ممارسات المضاربة، وتجارة المشتقات المالية، والأدوات المالية المعقدة، والاستثمار قصير الأجل أو المدمر. ويقول النقاد إنه حتى هذه الإدانة القوية لثقافة المكافآت والعلاوات الممنوحة للمدراء التنفيذيين في عالم المال، من جانب البيان الختامي لقمة بتسبرغ، لم تدعمها التزامات فعالة.

ومع ذلك، فإن قمة بتسبرغ لمجموعة العشرين يمكن أن توصف، بحق، بأنها شديدة الأهمية، على الرغم من إخفاقاتها وعيوبها؛ كونها تضمنت تعهدات بإعادة هيكلة المؤسسات المالية الدولية، وبعثت إشارات مهمة لإمكانية قيام نظام اقتصادي عالمي جديد. ومن الأهمية بمكان أن نلاحظ  أن القادة قد جدولوا للقاءين للمجموعة في العام القادم، أحدهما في كندا في شهر يونيو/حزيران، والثاني في كوريا الجنوبية في شهر نوفمبر/تشرين الثاني؛ من أجل معالجة القضايا التي ما تزال عالقة، والتي لا يتوقف النقاد من الشكوى حيالها باستمرار.

Share