قمة "رأب الصدع" الأوروبي

  • 15 أبريل 2003

أوروبا في مواجهة اختبار تاريخي، ربما كان هذا هو تقدير معظم الأوساط الاستراتيجية الغربية للمشهد السياسي الدولي الراهن بعد انهيار نظام الحكم في العراق، وبروز التفوق العسكري الأمريكي أكثر من أي وقت مضى، واتجاه العالم إلى حقبة يصفها البعض بأنها "عهد السلام الأمريكي" بل هناك اتجاه يتردد -إعلاميا على الأقل- حول إعادة هيكلة المنظمات الدولية لتعكس "الواقع الجديد" في العلاقات الدولية وتوازنات القوى. وفي أجواء كهذه تستضيف أثينا غدا القادة والزعماء الأوروبيين في اجتماع "رمزي" بالعاصمة اليونانية التي تسعى لتوحيد المواقف وتجاوز ما لحق بالعلاقات الأوروبية-الأوروبية جراء الخلافات حول حرب العراق، وهي مناسبة مهمة كونها تجمع للمرة الأولى منذ بدء الحرب كلاً من توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الذي تخوض قوات بلاده الحرب، والرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشار الألماني جيرهارد شرودر وهما من أبرز زعماء العالم الذين وقفوا ضمن جبهة رفض الحرب.

ورغم شكوك بعض المراقبين في إمكانية تذويب الخلافات في ظل استمرار تباين وجهات النظر حول دور الأمم المتحدة في عراق ما بعد الحرب، وصراع المفاهيم القائم على جانبي الأطلسي بين "محورية" هذا الدور أو "مركزيته"، فإن هناك فريقاً من المتفائلين يرون أن حاجة الاتحاد الأوروبي للتحدث بصوت واحد في أزمات دولية مثل الأزمة العراقية ربما تحفز الجميع على الوحدة وتجاوز الشقاق، وخصوصا أن هذه القمة محطة تاريخية ستشهد توقيع عشر دول شيوعية سابقة معاهدات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004.

إنها لحظة الحقيقة بالنسبة إلى أوروبا إذاً، وهي أيضاً اختبار للتضامن الأوروبي، وخصوصاً أن ما رشح من خلافات داخل الاتحاد الأوروبي يبدو مرشحاً للتطور في ضوء التفاعلات التي تغذي الخلاف حول المسألة العراقية وغيرها من القضايا الدولية ذات الصلة المباشرة بنمو الاقتصادات الأوروبية مثل حرية التجارة الدولية واتفاق "كيوتو".

بعد مرور نحو 45 عاما على توقيع اتفاقية روما عام 1957 لم يزل الاتحاد الأوروبي يبحث عن سياسة خارجية ودفاعية مشتركة، والمسألة لا تتصل بالطبع بخلافات آنية حول العراق أو غيرها من القضايا المثارة على الساحة الدولية، إنها أعمق من ذلك بمراحل فهناك طموحات إقليمية متفاوتة، وهناك أيضا رؤى متباينة حول دور الاتحاد المؤسسي على اعتبار أن بعض الدول تحصر رؤيتها في إطار كونه سوقا مشتركة، وهذا الأمر سيزداد صعوبة في ظل توسيع الاتحاد ليصبح عدد دوله 25 دولة، إذ يرهن البعض فرص النجاح الأوروبي في بناء سياسة خارجية ودفاعية مشتركة بتوافق أركان المثلث الفرنسي-البريطاني-الألماني، وهو أمر معقد ونادر في ضوء تباين مرتكزات وتوجهات السياسة الخارجية لكل من هذه الأقطاب الأوروبية الثلاثة، فالحديث عن "أوروبا الكبرى" إذاً لا يعني فقط تحدياً إحصائياً واقتصادياً بل أيضاً يدور حول البحث عن صيغ توافقية في ظل فروقات سياسية كبيرة وفسيفساء إثنية وقومية تتطلب القفز على الآلام ونسيان تجارب الماضي وخلافات الحاضر.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات