قمة دول البريكس: محاولة للتحول الجيو-اقتصادي

  • 15 أبريل 2012

في عام 2001، صاغ رئيس مجموعة "غولدمان ساكس"، جيم أونيل، مُصطلح "بريك" (BRIC) لوصف مجموعة من الاقتصادات الصاعدة المكوَّنة من البرازيل وروسيا والهند والصين، والتي أصبحت تدريجياً قاطرة النمو الاقتصادي العالمي. وبمرور السنوات، أدى الصعود الاقتصادي المتزايد لهذه الدول إلى شيوع هذا المصطلح، بحيث شكّلت دول "بريك" رسمياً في عام 2009 كتلة اقتصادية خاصة بها. وفي ديسمبر 2010، انضمت إليها جمهورية جنوب إفريقيا، فتوسّع المُصطلح إلى "بريكس" (BRICS). وتضم هذه الكتلة حالياً أكثر من 40% من سكان العالم، وتمثل نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتستحوذ على قرابة 15% من التجارة العالمية.

ومع ذلك، ومثل العديد من ابتكارات غولدمان ساكس المالية، وصف كثيرون مجموعة البريكس بأنها كيان اصطناعي، ورابطة لدول غير متجاورة جغرافياً وغير متجانسة سياسياً، على عكس رابطة دول آسيان أو الاتحاد الأوروبي. ويجزم منتقدو البريكس أن القاسم المشترك الوحيد بينها هو التكهنات بأن معظم أعضائها سيصبحون، بحلول عام 2050، أغنى من العديد من القوى الاقتصادية الكبرى الحالية. ومن ناحية أخرى، يؤكد أنصار هذه الكتلة الاقتصادية أن دول البريكس لم تعد تجمّعاً من الاقتصادات الصاعدة، بل أصبحت فعلاً كتلة ذات تأثير كبير في المشهد الجيواقتصادي العالمي. ومن المفارقات أن القوة الاقتصادية لهذه الكتلة، بالإضافة إلى عدم التجانس الداخلي بين أعضائها، كانت واضحة في قمة البريكس الرابعة التي عُقدت في نيودلهي بتاريخ 29 مارس 2012.

في واقع الأمر، فاجأت قمة نيودلهي العديد من المراقبين بسبب ما تمخض عنها من قرارات كبرى، من أهمها التوقيع على اتفاقية لإيجاد آلية تعاون بين مصارف دول البريكس، تهدف إلى زيادة عمليات الإقراض بالعملات المحلية. وعلى الرغم من أن الهدف المُعلن لهذا القرار هو تعزيز التجارة بين الدول الأعضاء من خلال تخفيض تكاليف المعاملات التجارية داخل المجموعة، فقد رأى معظم الخبراء أنه يمثل خطوة في اتجاه استبدال الدولار كعملة رئيسية في التجارة البينية لدول البريكس. ووفقاً لهذه الاتفاقية، يمكن لأي مشتر من إحدى دول البريكس أن يدفع للبائع في دولة عضو أخرى بعملة هذه الدولة الأخيرة، بدلاً من أن يقوم بتحويل العملة المحلية أولاً إلى الدولار الأمريكي، ثم تحويلها مرة أخرى إلى عملة الدولة العضو التي ينتمي إليها البائع، الأمر الذي يزيد من تكلفة المعاملة التجارية. ومع ذلك، فقد تقرر أن تتم المعاملات التجارية بالعملة المحلية في الوقت الراهن من خلال بنوك التنمية المملوكة للدولة فقط في المجموعة.

علاوة على ذلك، وقّعت دول البريكس "اتفاقية تسهيل التصديق على خطابات الاعتماد متعددة الأطراف"، التي توفّر بموجبها بنوك التنمية المعنية في دول المجموعة ضمانات الاعتماد لبعضها بعضاً. وهي المهمة التي تقوم بها حالياً المصارف الأمريكية والأوروبية بشكل رئيسي. والأهم من ذلك هو المصادقة على اقتراح لدراسة إنشاء بنك للتنمية لدول البريكس، على غرار البنك الدولي أو بنك التنمية الآسيوي؛ يهدف إلى تعبئة الموارد لإقامة البنية التحتية ومشروعات التنمية المستدامة داخل المجموعة وغيرها من الدول الصاعدة والنامية. وتم تكوين فريق عمل مشترك لدراسة جدوى إنشاء البنك، وسيُنشر تقريرها في القمة المقبلة التي تستضيفها جنوب إفريقيا.

وفي حين يرى عدد من المراقبين أن الخطوات التي اتخذتها دول البريكس، وخاصة قرار إنشاء بنك التنمية، بمنزلة ثقل موازن للبنك وصندوق النقد الدوليين، يؤكد بعض المعلقين أن قرارات القمة ليست جذرية كما قد تبدو. وفي هذا الصدد، يقرر الأخيرون أن دول البريكس أعلنت هذه التدابير استجابة للوضع الحالي القاتم الذي تواجهه المصارف الأمريكية والأوروبية التي استنفدت تمويلها للاستثمار في مشروعات التنمية طويلة الأجل في الاقتصادات الصاعدة. وفي الوقت نفسه، ظهرت أيضاً تحفظات من داخل المجموعة حول إنشاء بنك دول البريكس. ففي مقال نشرته إحدى الصحف الاقتصادية الرائدة في الهند (صحيفة إكونوميك تايمز Economic Times) بعنوان "قمة البريكس: لا يوجد رابط قوي يجمع دول المجموعة معاً" جاء فيه ما يلي: "يرى المسؤولون الماليّون في الهند أن فكرة إنشاء بنك تنمية لدول البريكس تهدف، في المقام الأول، إلى إضفاء الشرعية على استخدام العملة الصينية في الخارج. وثانياً، يشعر هؤلاء المسؤولون بأن أي بنك لدول البريكس سيكون في جوهره بنكاً صينياً؛ لأنه لا توجد أي دولة أخرى لديها القدرة المالية لتغذية مثل هذه المؤسسة. فالهند ترغب في تغيير الهيكل المالي العالمي، لكن بوتيرة أبطأ من ذلك بكثير. وإذا كانت جنوب إفريقيا ستدعم فكرة إنشاء البنك، فإن البرازيل لا يمكنها أن تفعل ذلك؛ لأنها تموِّل بالفعل بنك التنمية في أمريكا اللاتينية". وأوردت الصحيفة أن رئيس وزراء الهند، الدكتور مانموهان سينغ، فضّل التركيز على تطوير البنك الدولي، بدلاً من إنشاء بنك جديد. ثم أردف هذا المطلب بنص من بيان دلهي نفسه يقرر: "يجب علينا معالجة القضية المهمة المتمثلة في توسيع قاعدة رأسمال البنك الدولي وبنوك التنمية الأخرى متعددة الجنسيات؛ لتمكينها من أداء دورها المناسب في تمويل تطوير البنية التحتية."

إضافة إلى هذه الإعلانات والأخبار المتعلقة بالخلافات بين الدول الأعضاء، أحدثت القمة ضجة أيضاً عندما أوردت في بيانها الختامي عبارات حادة ضد سياسات بعض الدول المتقدمة. فقد ألقت القمة باللوم على الولايات المتحدة ودول أوروبا؛ لأنها خلقت سيولة مفرطة في النظام المالي العالمي، والتي بدأت تسبب تقلبات كبيرة في تدفقات رؤوس الأموال إلى دول البريكس، حسب ما جاء في البيان الختامي. وهناك بند في إعلان دلهي يدعو الدول المتقدمة لتبنّي سياسات مسؤولة، ونصه كما يلي: "نعتقد أن من الأهمية بمكان أن تتبنى الاقتصادات المتقدمة سياسات اقتصادية كلية ومالية مسؤولة، وأن تتجنب خلق سيولة عالمية مفرطة، وأن تُجري إصلاحات هيكلية لزيادة النمو الذي يخلق فرص العمل".

فضلاً على ذلك، دعت دول البريكس إلى إصلاح مؤسسات التمويل العالمية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وطالبت بإدخال تغييرات في الحصص التصويتية للدول الأعضاء في هاتين المؤسستين؛ بحيث ينعكس الثقل الاقتصادي المتنامي لدول المجموعة في النظام المالي العالمي بشكلٍ صحيح. ودعت قمة نيودلهي أيضاً إلى اعتماد نظام مفتوح قائم على الجدارة لتعيين رئيس البنك الدولي. ولكن المدهش أن هذه الدول لم تقم حتى بمحاولة لإيجاد مرشح مُجمَع عليه للانتخابات المقبلة لهذا المنصب نفسه، ولم تدعم أيّاً من المرشحين الثلاثة المتنافسين حالياً في انتخابات رئاسة البنك الدولي. وفي هذا الخصوص، ذكر إعلان نيودلهي: "إننا نرحب بترشيح شخصيات من العالم النامي لشغل منصب رئيس البنك الدولي. ونكرر القول بضرورة أن يتم اختيار رؤساء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من خلال عملية مفتوحة قائمة على الجدارة. علاوة على ذلك، يجب على قيادة البنك الدولي الجديدة أن تلتزم بتحويل البنك إلى مؤسسة متعددة الأطراف تصدر عن رؤية جميع أعضائها، بما في ذلك رؤيتها حول هيكل الحوكمة الذي يعكس الواقع الاقتصادي والسياسي الراهن".

وعلى الصعيد السياسي، أعربت مجموعة البريكس عن "قلقها" تجاه الوضع الحالي في سورية وإيران، ودعت إلى تحقيق السلام والازدهار في منطقة الشرق الأوسط. وفي هذا الخصوص، جاء في البيان الختامي لقمة نيودلهي: "إننا ندرك الأهمية الحيوية التي يمثلها الاستقرار والسلام والأمن في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لنا جميعاً، وللمجتمع الدولي، وقبل كل شيء، لتلك الدول ومواطنيها الذين تأثرت حياتهم بالاضطرابات التي اندلعت في المنطقة. إننا نأمل أن نرى هذه الدول تعيش في سلام، وتنعم مجدداً بالاستقرار والازدهار كدول أعضاء تحظى بالاحترام في المجتمع الدولي".

وعلى الرغم من أن ظهور تكتل البريكس يدل على تحوُّل كبير في المشهد الجيواقتصادي العالمي، يعتقد بعض الاقتصاديين أنه من السابق لأوانه تأكيد ديمومتها. ويعتبر هؤلاء أنه في غياب قواسم مشتركة في السياسة أو الرؤية بين دول البريكس، فإن بقاء التكتل يعتمد فقط على استمرار الأداء الجيد لاقتصادات الدول المكوّنة له. ومع ذلك، حققت المجموعة، في قمتها الرابعة في نيودلهي، تقدماً جوهرياً في اتجاه أن تصبح كتلة اقتصادية مؤثرة وصاعدة على الساحة الدولية، وذلك من خلال بدء التجارة بالعملات المحلية بين الدول الأعضاء، وإقامة بنك تنمية دول البريكس.

Share