قمة "جرثومية" وتحالفات "غير مقدسة"

  • 3 سبتمبر 2003

قبل أيام معدودات من الذكرى الثانية لاعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، وبينما العالم لم يزل يلعق جراح هذه الاعتداءات التي لم تستهدف الولايات المتحدة بمفردها بل استهدفت الأمن والاستقرار العالميين سواء بما أحدثته من شروخ عميقة في النظام القيمي السائد وتحولات انقلابية في العلاقات الدولية، أو بمن أسقطتهم من ضحايا أبرياء في هذه الاعتداءات التي نالت من رعايا دول وأديان سماوية عدة، يطل علينا الإرهاب مجدداً بوجهه القبيح من خلال الأنباء التي تحدثت عما وصفته مجلة "نيوزويك" الأمريكية في عددها الأخير بـ "قمة" عقدت في أحد جبال أفغانستان خلال أبريل الماضي لبحث تنفيذ مخططات واعتداءات تستخدم فيها أسلحة جرثومية، وأيضاً هناك تقارير إخبارية غربية تتحدث عن نوع من "زواج المصالح" أو تحالف "غير مقدس" بين المتطرفين والبعثيين في العراق. 
 
والجانب الأخطر في هذه التقارير أن الأمر قد يتجاوز كونه نوعاً من المبالغة أو التضخيم الإعلامي، لا سيما أن أحد أبرز دروس اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر وغيرها من الاعتداءات الإرهابية الأخيرة، يكمن في أن الإرهاب يتخذ شكل المفاجأة دائماً من حيث التوقيت والهدف والمكان والأدوات، وبالتالي فيجب عدم تغييب أحد الاحتمالات أو التقليل من شأن "سيناريوهات" -أو حتى تكهنات- قد تبدو في ظاهرها نوعاً من الوهم أو ضرباً من الخيال، ولذا فإن تنامي الحديث عن ظهور أسامة بن لادن وحضوره هذا الاجتماع مع بعض "رؤوس" الإرهاب العالمي يذكّر الجميع مجدداً بأن خطر هذه التنظيمات السرطانية لم يزل ماثلا للعيان، وأن أي تراجع عن مواجهة هذا الخطر، الذي لا يعرف حدوداً جغرافية، يعني القبول مبدئياً بإمكانية تهديد مستقبل الأجيال المقبلة والأمن والاستقرارين الإقليمي والعالمي. 
 
ومنذ نحو عامين أو أكثر قليلاً تتدارس النخب السياسية في العالم أجمع سبل كسب الحرب ضد الإرهاب، وتتفاوت في ذلك الرؤى والتقديرات، فالبعض يرى أن وجود "حلفاء إقليميين" قضية لا غنى عنها في كسب تلك الحرب، بينما يرى آخرون أن هناك أدوات أخرى تتفاوت بين الأيديولوجي والأمني والسياسي والثقافي، بينما يرى فريق ثالث ضرورة التركيز على معالجة ظواهر مجتمعية سلبية مثل الهجرة غير الشرعية والجهل والفقر باعتبارها بيئة خصبة يمكن أن تترعرع في ظلها التنظيمات الإرهابية. وبين مختلف هذه الأطروحات يبدو ضرورياً أن مواجهة الإرهاب في مختلف مناطق العالم تتطلب تعاوناً أمنياً ومعلوماتياً دولياً، انطلاقاً من أن ملاحقة التكوينات العنقودية التي تتشكل منها التنظيمات المتطرفة، تضاعف الأعباء اللوجيستية الملقاة على عاتق الأجهزة الأمنية في الدول كافة. 
 
ولعل تحديات التعامل مع التنظيمات الإرهابية تتجلى في أحد مظاهرها في رسم صورة قانونية -أمنية- سياسية نمطية للإرهابي المحتمل (خارج نطاق التنظيمات الإرهابية المعروفة) دون الوقوع في شرك العداء الحضاري مع "الآخر"، وهي خطوة تبدو مهمة لانتزاع أي غطاء أخلاقي قد يستخدم في استهداف ضحايا جدد، ما يعني أن هناك حاجة ملحة لوضع آليات تعاون دولي تكفل التعامل مع هذه الأخطار جميعها وتقديم حلول جادة للقضاء عليها.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات