قمة بيروت الثلاثية… "بوليصة تأمين" بدون تاريخ

  • 19 أغسطس 2010

لم تكن القمة التي جمعت خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الأسد والرئيس اللبناني ميشال سليمان في بيروت نشاطاً سياسياً عادياً أو عابراً، بل شكلت تطوراً فائق الدلالات، وحدثاً نادراً غير مسبوق من الصعب التنبؤ بمفاعيله في وقت قريب.
في الشكل، كانت القمة الثلاثية مميزة بأكثر من معيار. فهي استثنائية لأنها المرة الأولى التي يزور فيها العاهل السعودي بيروت، بعدما زارها في السابق يوم كان ولياً للعهد، ولأنها أيضاً الزيارة الرسمية الأولى التي يقوم بها الرئيس السوري إلى بيروت منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير من عام 2005، وفريدة من نوعها لأنها تمت بشكل مشترك بين العاهل السعودي والرئيس السوري الذي وصل إلى مطار العاصمة اللبنانية على متن طائرة الملك عبدالله بما يحمله ذلك من معان لا يزال المجتمع السياسي اللبناني يستنبط خلفياتها.
في الواقع السياسي، تأتي القمة التي تعدُّ امتداداً لما تم التفاهم عليه في قمة الـ"س-س" (أي القمة السورية- السعودية) في دمشق، كجزء من لوحة متكاملة تشمل أكثر من ملف بدأ التواصل حوله بين السعودية وسورية منذ المصالحة التي أجرياها خلال قمّة الكويت في يناير 2009 بعدما واجهت العلاقات بين البلدين تأزماً كبيراً إثر اغتيال الحريري. وفي انتظار أن تتضح طبيعة المحادثات والتفاهمات التي جرت، فإن القمة ستساهم في تجديد "بوليصة التأمين" للاستقرار الداخلي وتأكيد منع انزلاق لبنان نحو الفتنة. أما الأكيد فهو أن التوافق السوري- السعودي ساهم في تمديد مفاعيل "قمة الدوحة"، لجهة تأكيد أن السلم الأهلي خط أحمر ليس مسموحاً لأحد تجاوزه، ودعم حكومة الوحدة الوطنية الراهنة التي تعتبر ثمرة التوافق بين المملكة وسورية. والأكيد أيضاً أن توافق "س-س" تمكن من حصر مفاعيل مسلسل خطابات الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الأخيرة في الإعلام ومنعَها من أن تترجم إلى خطوات قد تهدد السلم الأهلي كما حصل في 7 أيار/مايو 2008 عندما سيطر مسلحو الحزب وحلفاؤهم عسكرياً على بيروت، أو أن تضع مصير الحكومة في مهب الريح كما حصل عند استقالة الوزراء الشيعة من حكومة الرئيس السنيورة عام 2006، ووصفوها بأنها حكومة فاقدة الشرعية.   
احتلت مسألة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والقرار الظني المتوقع صدوره على ضوء الحراك والتجاذبات المتواترة في بيروت بعد تسرب أخبار مفادها أن القرار الاتهامي للمحكمة الدولية يتضمن اتهام عناصر من "حزب الله"، المحور الأساس للقمة الثلاثية، نظراً لتداعياته الأمنية المتوقعة في ضوء المواقف التي أعلنها الأمين العام لحزب الله، والذي رفض في شكل استباقي المحكمة وأي قرار اتهامي قد يصدر عنها بصفتها مؤامرة إسرائيلية. فقيل أن نصرالله يفضل أن تساهم القمة في وقف هذا الأمر نهائياً أو تأجيله، فيما حافظ رئيس الوزراء سعد الحريري على موقف الحكومة القاضي باحترام المحكمة، مشيراً إلى عدم تلقيه أي طلب سعودي بالتخلي عنها أو بالرضوخ لضغوط حزب الله، على رغم أنه أبدى مرونة حيال التعاطي مع نتائج ما سيصدر عنها.
والحال نفسه، فالانقسام في الداخل اللبناني حول المحكمة هو مرآة للتجاذبات السورية-السعودية، فالمملكة تؤيد تماماً ودون أدنى شك حكومة الحريري وتحرص على إغلاق ملف اغتيال والده عبر التوصل إلى الحقيقة الدامغة،‏ في وقت ترى سورية الأمور بمنظور مختلف عبّر عنه وزير الخارجية السوري وليد المعلم بعد يومين من القمة حين أشار إلى أن تحييد المحكمة الدولية هو المدخل إلى الاستقرار في لبنان.
أمّا موقف إيران من هذه القمة، فقد عبّر عنه رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني قائلاً إن الوضع في لبنان يعني مباشرة الجمهورية الإسلامية، بمعنى أن العرب لا يمكنهم "استفراده"، والخروج بمقررات حياله دون أن يأخذوا بالاعتبار النفوذ الإيراني فيه، أي مصالح "حزب الله" الذي يشكل امتداداً لسلطة الجمهورية الإسلامية.
وما قاله لاريجاني بديهي ولا يحتاج إلى إثبات، إذ إنه لولا الدور الإيراني في لبنان وتأثيره على الساحة الداخلية لما عقدت القمة، ولكن لا يمكن القول إن الدول العربية ستقف مكتوفة الأيدي حيال رؤية لبنان خاضعاً لنفوذ طهران، ليصبح جزءاً من منظومة تمتد من حكومة في بغداد موالية للولي الفقيه مروراً بدمشق عاصمة "الممانعة" ووصولاً إلى سيطرة "حزب الله" في بيروت، ليكتمل بذلك إنشاء جبهة خاضعة للنفوذ الشيعي وتخل بالتوازن القائم مع السنة. وبروز "هلال شيعي" في المنطقة يدعو إلى التفكير الجدي في مستقبل استقرارها، ويحمل بالتأكيد تغيرات واضحة في خريطة المصالح السياسية والاقتصادية لدولها. فهل سيقف المجتمع الدولي والدول العربية المعتدلة موقف المتفرج إزاء "انقلاب" ينفذه الحزب في بيروت تحت شعار "منع المؤامرة الدولية المتمثلة بالمحكمة"؟ وهل يملك هذا الفريق القدرة على مواجهة مفاجأة قد يقوم بها الحزب على أساس "عليّ وعلى أعدائي" إذا وجد نفسه محشورا بين خانتي الاتهام وإطاحة السلم الأهلي في لبنان؟
واضح أن الحريري وحزب الله لا يزالان على طرفي نقيض حول قضية المحكمة. والقمة لم تستطع ردم الهوة بينهما، بل وفّرت فقط بعض الوقت ليتبيّن هل ستتمكن مساعيها من بلورة تسوية ما. وليس واضحاً بعد هل التسوية مُمكنة أو يمكن التوصل إليها في الوقت المناسب لتجنّب نشوب أزمة. وفي حين أن "حزب الله" لديه أدوات للضغط داخل لبنان، فإن اللبنانيين يعولون على نتائج القمة لجهة تأمين الاستقرار الأمني الداخلي ومنع الانزلاق إلى حقبة تشبه ما قبل "اتفاق الدوحة" وربما إلى فترات أكثر قتامة بكثير.

Share