قمة بروكسل.. هل تنذر ببداية انشقاق بعض الدول عن «الاتحاد»؟

  • 25 يوليو 2020

قمَّة هي الأطول من نوعها، منذ عام 2000، والأكثر تعقيداً، تلك التي جمعت الأسبوع الماضي قادة دول الاتحاد الأوروبي، للمرة الأولى عن قرب منذ بدء جائحة فيروس «كورونا» المستجد (كوفيد-19)، في محاولة لمواجهة تداعيات الجائحة على الصعيد الاقتصادي. وقد أقرت القمة، بعد شد وجذب، خطة للنهوض الاقتصادي تبلغ قيمتها 750 مليار يورو.
قبل نحو شهر من الآن قرر القادة الأوروبيون عقد قمة «غير افتراضية» في بروكسل؛ لمناقشة أزمة الركود التي تمر بها اقتصادات دولهم، وهو ما تحقق فعلاً، وذلك حين اجتمع زعماء الاتحاد لأربعة أيام متتالية، في مفاوضات بدأت من السابع عشر من يوليو الجاري واستمرت إلى العشرين منه؛ لمناقشة خطط إصلاح اقتصادي، تخللها العديد من الاختلافات، ومشاهد من الغضب، تجسدت على سبيل المثال في خروج المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، غير راضيين عن مسار تلك المفاوضات.
وبعد مدّ وجزر كبيرين أسفرت القمة الماراثونية عن إقرار قادة دُولِ الاتحاد الأوروبي السبعِ والعشرين خطة للنهوض الاقتصادي لمرحلة ما بعد جائحة «كورونا»، تبلغ قيمتها 750 مليار يورو، سيتم تمويلها بوساطة قرض جماعي، وتضاف إليها ميزانية طويلة الأمد للاتحاد، كما تم التوصل إلى حلّ وسط بشأن قضية ربط حصول دولة عضو على مساعدات مالية بمدى احترامها سيادة القانون.
وملخص حكاية «المعركة الشرسة»، التي دارت في بروكسل، يتعلق بالجهود المضنية التي بذلها القادة الأوروبيون بحثاً عن صفقة تحفيز اقتصادي لمواجهة تداعيات جائحة «كوفيد-19»، التي قالت ميركل بشأنها إن «الخلاف المتصاعد بخصوص مستوى الإنفاق قد يتعذَّر التغلب عليه». والمقصود من ذلك هو أنَّ ما كانت تطمح ألمانيا وفرنسا إليه بإقرار برنامج للتعافي قيمته 1.8 تريليون يورو (2.06 تريليون دولار)؛ لإنقاذ اقتصادات أوروبا من الركود الأسوأ الذي يواجهها منذ الحرب العالمية الثانية، أمر ليس واضحاً، ولم يتحقق بسهولة.
وقد ثار الخلاف، خلال مفاوضات قادة أوروبا في بروكسل حول مجموعة من النقاط؛ الأولى تخصُّ حجم صندوق التعافي الجديد، ونسبة المنح والقروض، وخاصة في ظل سعي بعض الدول الأكثر ثراءً، كهولندا، إلى تقييد ذلك؛ ما سلط الضوء على انقسام بدا عميقاً بين دول شمال الاتحاد الأوروبي وجنوبه. أما نقطة الخلاف الثانية؛ فقد تعلّقت بالتخفيضات في ميزانية الاتحاد للدول الأغنى. والمسألة الثالثة كانت حول الآلية الجديدة المقترحة التي تفيد بتجميد تمويل الاتحاد الأوروبي الدول التي تنتهك المبادئ الديمقراطية، عبر الحديث عن اشتراط التمويل للدول بمعيار «دولة القانون».
ونتيجة لوجود خلافات على تفاصيل الاتفاق؛ أبرزت مشاهد القمة تكهُّنات، في بداية الأمر، حول إمكانية التوصل إلى اتفاق من عدمه، فقول ميركل «سأبذل قصارى جهدي؛ لكن من الممكن ألا تتحقق نتيجة»، كان إشارة إلى أن المفاوضات كانت على أشدّها، وأنها كانت تعاني تمخُّضات أخرى، ربطت التمويل بالتزام الدول بمعايير الديمقراطية وسيادة القانون؛ إذ غالباً ما واجهت المجر وبولندا اتهامات بتقويض المعايير القضائية الأوروبية والقيم الديمقراطية للتكتل، لكن بعد تهديد بودابست ووارسو باستخدام حق النقض ضد أي ربط بين التمويل وسيادة القانون أثمرت المفاوضات مسودة اتفاق تنصُّ على وجوب إقرار أي إجراء، يرمي إلى تعليق أو خفض التمويل الأوروبي لدولة ما بسبب انتهاكها سيادة القانون، بالأغلبية النسبية.
كما ينبئ اتهام رئيس وزراء إيطاليا، جيسيبي كونتي، هولندا وحلفاءها، السويد والنمسا والدنمارك وفنلندا (الدول المقتصدة) بـ «بالابتزاز»، وخاصة بعد اقتراح ستوكهولم خفض المنح إلى 155 مليار يورو، ورفض هذه الدول المشروع الذي تقوده ألمانيا وفرنسا على وجه التحديد، بوجود مخاوف لدى بعض الدول من أن بعض الشركاء لا يفكرون بمنطق التعاون والتكاتف، لإنقاذ اقتصادات دول الاتحاد؛ فالأهمية تكمن في إخراج أوروبا من أزماتها المالية، وتنفيذ تفاصيل حزمة المساعدات.
إن الخلاف الذي ساد بين دول الاتحاد خلال قمة بروكسل يعني أن الاتحاد ليس بخير تماماً؛ فالتفاوض «الشاق والصعب»، حول خطة الإنعاش لما بعد «كوفيد-19»، والتفاصيل الخاصة بقيمة القروض والمساعدات المالية والمنح، لا يمنحان الآمال باستمرار التوافق الأوروبي على الخطوط العامة لسياساته الاقتصادية، والمواقف المتعارضة بين دول أوروبا ربما قد تتزايد في المستقبل القريب، وتتسبب بحدوث انشقاقات بعض الدول عن الاتحاد الأوروبي، كما فعلت بريطانيا، وخاصة هولندا وحلفاءها المقتصدين.

Share