قمة الكويت وتعزيز روابط العمل الخليجي المشترك

قمة الكويت وتعزيز روابط العمل الخليجي المشترك

  • 24 ديسمبر 2009

أكدت نتائج القمة الثلاثون لقادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي استضافتها الكويت يومي 14 و15 ديسمبر/كانون الأول 2009، مجدداً أهمية الدور الحيوي الذي يلعبه المجلس في تعزيز روابط العمل الخليجي المشترك وتنسيق مواقف دوله الأعضاء في مواجهة التحديات المشتركة التي تواجهها هذه المنطقة الحيوية في العالم، والحفاظ على أمن دول الخليج واستقرارها، وتحقيق آمال شعوبها وطموحاتها. فبالرغم من أن القمة عقدت في ظل ظروف استثنائية؛ إقليمياً ودولياً، أهمها تصاعد التوتر بين إيران والغرب حول الأزمة النووية، واتساع نطاق المواجهات في اليمن بين الحكومة و"الحوثيين"، والتي أخذت أبعاداً إقليمية خطيرة مؤخراً بعد دخول المملكة العربية السعودية على خط المواجهات إثر تعرض أراضيها للاختراق والاعتداء من قبل المسلحين "الحوثيين"، إضافة إلى استمرار تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية، والتي تتطلب تعزيز التعاون الخليجي لمواجهة آثارها السلبية ـ بالرغم من ذلك نجحت القمة في الخروج بقرارات تعكس وعياً مهماً بأبعاد هذه الظروف وكيفية التعامل معها.

فعلى المستوى الأمني، أعادت قرارات القمة تأكيد مفهوم الأمن الجماعي الخليجي، استناداً إلى رؤية مفادها أن أمن دول الخليج كل لا يتجزأ. وفي هذا السياق، أكد البيان الختامي للقمة وقوف دول المجلس مع السعودية في مواجهة الاعتداءات والتجاوزات التي قام بها المتسللون المتسلحون لأراضيها وتضامنها التام مع المملكة ودعمها المطلق لحقها في الدفاع عن أراضيها وأمن مواطنيها، معتبراً أن أي مساس بأمن واستقرار المملكة هو مساس بأمن دول المجلس واستقرارها وسلامتها كافة. كما يأتي في هذا السياق أيضاً تصريح أمين عام مجلس التعاون، عبد الرحمن بن حمد العطية، بأن قادة دول المجلس اتخذوا قراراً بإنشاء "قوة تدخل سريع" مشتركة مهمتها ردع العدوان على أية دولة من دول المجلس. ويكتسب إنشاء هذه القوة أهمية خاصة ليس فقط من ناحية تعزيز قدرة دول مجلس التعاون الخليجي على مواجهة الأزمات الطارئة التي قد تٌفرض على المنطقة، ولكن أيضاً لأنها تعكس إدراكاً خليجياً مهماً بخطورة التهديدات الراهنة والمستقبلية التي تواجهها المنطقة، وضرورة التصدي لها بشكل جماعي.

وارتباطاً بهذا الجانب الأمني، ناقشت قمة الكويت ملفين مهمين قد يكون لهما تبعاتهما المباشرة على أمن منطقة الخليج واستقرارها، الأول يتعلق بالأزمة النووية الإيرانية، التي شهدت توتراً متصاعداً في الفترة الأخيرة نتيجة رفض طهران المبادرات الدولية التي طرحت لتسوية الأزمة وإصرارها على مواصلة برنامجها النووي وفق الخطط الموضوعة، وتزايد الدعوات الغربية والأمريكية المطالبة بفرض مزيد من العقوبات عليها، تتراوح بين "عقوبات ذكية" تستهدف أركان النظام الإيراني ولا تطول السكان كما تقترح فرنسا، وعقوبات شاملة كما تقترح الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، أكد قادة دول "مجلس التعاون" موقفهم الداعي إلى حل هذه الأزمة من خلال تسوية سلمية تبدد المخاوف والشكوك حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني وتحقق الأمن والاستقرار في المنطقة، وتكفل حق دول المنطقة في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، مجددين رفضهم لأي عمل عسكري ضد إيران، لما قد يترتب على ذلك من تأثيرات سلبية على أمن المنطقة واستقرارها، ومؤكدين موقفهم الداعي إلى جعل منطقة الشرق الأوسط بالكامل خالية من أسلحة الدمار الشامل، وإخضاع جميع دول المنطقة لمعايير وإجراءات الوكالة الدولية للطاقة الذرية من دون استثناء، بما في ذلك إسرائيل.

أما الملف الثاني، فيرتبط بالتطرف والإرهاب. وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، فإن ذلك لا يقلل من استمرار خطورة التهديدات التي تمثلها، ولاسيما إذا تم الأخذ بعين الاعتبار طبيعة الخلايا الإرهابية ذاتها، التي قد تتحين الوقت المناسب للقيام بعملياتها الإرهابية. وقد أكدت القمة في هذا السياق رفضها لكل صورة الإرهاب ومظاهرة، وضرورة التصدي له من خلال تكثيف تبادل المعلومات والتعاون في تسليم العناصر المتورطة في أنشطة إرهابية، ومكافحة الفكر المتطرف المؤدي لها.

وعلى المستوى السياسي، أكدت قمة الكويت ثوابت الموقف الخليجي من القضايا الإقليمية المختلفة، وفي مقدمتها: دعم حق السيادة لدولة الإمارات العربية المتحدة على جزرها الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، وعلى المياه الإقليمية والإقليم الجوي والجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة للجزر الثلاث باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من أراضي الدولة، ودعوة إيران للاستجابة لمساعي الإمارات لحل القضية عن طريق المفاوضات المباشرة أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، ومطالبة الأطراف الدولية الفاعلة بالضغط على إسرائيل لإنهاء ما تفرضه من حصار جائر وعقاب جماعي على قطاع غزة، ووقف الأنشطة الاستيطانية وعمليات تهويد القدس والتعدي على المقدسات الإسلامية، والانسحاب من كافة الأراضي المحتلة عام 1967. كما دعت القمة إلى ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب ضد الفلسطينيين وإحالتهم إلى المحاكم الدولية وتعويض ضحايا هذه الجرائم من الفلسطينيين، وشددت على ضرورة الإسراع بتحقيق المصالحة الفلسطينية باعتبارها الأساس للحفاظ على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. كما رحبت ببيان الاتحاد الأوروبي الرافض لتغيير حدود الخامس من يونيو 1967 واعتبرته خطوة أولى على طريق تولي المجتمع الدولي لمسؤولياته.

وأعاد البيان الختامي لقمة الكويت تأكيد الموقف الخليجي تجاه العراق والذي يقوم على ضرورة احترام وحدته وسيادته واستقلاله وسلامته الإقليمية، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، والحفاظ على هويته العربية والإسلامية، والإسراع بتحقيق المصالحة الوطنية العراقية لإنجاح العملية السياسية، التي شدد على ضرورة أن تستوعب جميع أبناء الشعب العراقي من دون استثناء أو تمييز. كما رحب البيان بتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة سعد الحريري، وأعرب عن أمله أن يسهم ذلك في دعم وتعزيز الوحدة الوطنية، مؤكداً وقوفه إلى جانب لبنان في كل ما من شأنه أن يسهم في تعزيز أمنه واستقراره. كما أكدت القمة الخليجية أيضاً دعمها لجهود تحقيق الأمن والاستقرار في السودان والصومال ومختلف مناطق العالم العربي.

وعلى المستوى الاقتصادي، قطعت قمة الكويت شوطاً مهماً في تكريس الترابط بين دول "مجلس التعاون" وشعوبه؛ حيث تم خلالها الإعلان عن دخول اتفاقية الاتحاد النقدي حيز التنفيذ، على أن يضع محافظو البنوك المركزية للدول الأعضاء في الاتحاد جدولاً زمنياً لإصدار العملة الخليجية الموحدة وطرحها للتدول. كما أقرت القمة بعض المشروعات التي تدعم مفهوم المواطنة الخليجية وتسهل التواصل بين شعوب الخليج ومن أبرزها تدشين مشروع الربط الكهربائي بين دول مجلس التعاون، وتكليف لجنة النقل والمواصلات في دول المجلس بتكثيف العمل من أجل إنجاز مشروع سكة حديد دول المجلس.

لقد أطلق بعض المتابعين على قمة الكويت الخليجية وصف "قمة الإنجازات"، وهي كذلك بالنظر إلى النتائج التي توصلت إليها، غير أن الأمر الأكثر أهمية في هذا الصدد يتمثل في الإشارة إلى حقيقة أن مجرد تواتر عقد القمم الخليجية بشكل دوري والحرص على المشاركة فيها على أعلى مستوى يمثل بحد ذاته إنجازاً مهماً لمؤسسة القمة الخليجية، وخاصة إذا ما قيس بمنظمات إقليمية أخرى عديدة فشلت وتعثرت. فاجتماع قادة دول مجلس التعاون الخليجي بشكل دوري، فضلاً عن أهميته في تقريب مواقف هذه الدول وإزالة أي سوء فهم يمكن أن ينشأ بينها لأي أمر طارئ، يوفر إطاراً مناسباً لتدارس التحديات المشتركة التي تواجه دول المنطقة وتنسيق المواقف لمواجهتها بشكل جماعي، بما يصب في النهاية في خدمة دول المجلس، التي تعمل على تحقيق التنمية والأمن والاستقرار لمجتمعاتها، من دون أن يعني ذلك التقليل من أهمية العمل بشكل مستمر على تحديث آليات عمل المجلس ليكون أكثر فاعلية في التعامل مع التحديات الراهنة والمستقبلة، ولاسيما أن هناك قناعة لدى دول مجلس التعاون الخليجي بأن ما تحقق حتى الآن من إنجازات، وعلى أهميته، يظل أقل مما هو مأمول رسمياً وشعبياً. وقد عبر وزير الخارجية الكويتي الشيخ الدكتور محمد الصباح أفضل تعبير عن ذلك، قائلاً: "نحن بطيئون بمعدلات توقعات الشعوب الخليجية لكننا نسير بخطى واثقة مثل البعير يمشي ببطء لكن بثبات ولا يتعثر في الرمال".

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات