قمة الرياض: هل تحقق النتائج المتوقعة منها؟

د. محمد علي الهنائي: قمة الرياض ... هل تحقق النتائج المتوقعة منها؟

  • 29 نوفمبر 2006

نجح مجلس التعاون لدول الخليج العربية على مدى أكثر من 25 عاماً في اختبار الوقت والبقاء، بحيث حافظ على كيانه ووجوده، وأصبح يشكل التجمع العربي الفرعي الوحيد، خارج نطاق جامعة الدول العربية، الذي تمكّن من البقاء والصمود في مواجهة كافة الأزمات ورياح التغيير التي اجتاحت العالم بأكمله وفي القلب منه منطقة الشرق الأوسط خلال ربع القرن الماضي، بل واستطاع وسط هذه الظروف والتغييرات أن يعزز من وضعه الإقليمي ودوره في التعاطي مع العديد من المسائل الحساسة التي تتعلق بقضايا أمن المنطقة والسلام العالمي، كما عمل المجلس بجهد لتحقيق الاستقرار في المنطقة من خلال التعاون والتنسيق مع المنظمات الإقليمية والدولية الأخرى، كجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وحركة دول عدم الانحياز والأمم المتحدة.

وعلى الرغم من أن التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية قد دفعت بقضايا الأمن والدفاع إلى قمة اهتمامات وأولويات دول المجلس، ولازالت هذه القضايا تحظى بأهمية كبرى في أجندة هذه الدول في سياق الحرب المستمرة التي تشنها على الإرهاب والوضع الأمني الإقليمي غير المستقر نتيجة إفرازات الحرب الأمريكية على العراق ـ رغم ذلك، فقد حقق مجلس التعاون العديد من الإنجازات المهمة على مستوى تنسيق وتقريب مواقف دوله الأعضاء، ومن ذلك دوره في تسوية وحل معظم النزاعات الحدودية بين دوله بطريقة ودية وحضارية، كما قامت دول المجلس بتعزيز تعاونها العسكري، ونفذت الكثير من التمارين والتدريبات العسكرية المشتركة والتي توجت بتشكيل قوات المهام الخاصة، ثم قوات درع الجزيرة التي اعتبرها الكثيرون نواة الجيش الخليجي الموحد.

 وعلى المستوى الاقتصادي، حققت دول مجلس التعاون الخليجي إنجازات متميزة، بدءاً من إقرار الاتفاقية الاقتصادية الخليجية الموحدة والاتحاد الجمركي الخليجي وانتهاءً بالاتفاق على إصدار العملة الخليجية الموحدة عام 2010، كما قطعت دول المجلس شوطاً مهماً في مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي حول منطقة التجارة الحرة المشتركة بين الجانبين والمسائل الأخرى ذات الاهتمام المشترك، والتي تصب في مصلحة شعوب الكتلتين.

ورغم الاهتمام الذي أولته دول المجلس لقضايا الأمن الوطني، فإن تغييرات مهمة حدثت على الساحة الدولية أبرزت أهمية الحاجة إلى إعادة تعريف مصطلح "الأمن الوطني" في القرن الحادي والعشرين من خلال ربطه بقضايا التنمية الاجتماعية والبشرية عموماً، ومن ذلك صدور بعض الوثائق الدولية الهامة التي أكدت هذا الأمر، مثل: وثيقة "أجندة السلام" (1992)، التي خطها الأمين العام السابق للأمم المتحدة "د. بطرس غالي"، وتقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام (1994)، والتقارير الأخرى اللاحقة؛ حيث حددت هذه الوثائق أو التقارير أوجه القصور القائمة في تعريف مفهوم (الأمن الوطني)، كما حددت الأهداف الجديدة اللازمة لتحقيق ذلك الأمن. ومثلت هذه الوثائق نقلة نوعية في الاهتمام بالتحديات الحقيقية التي تواجهها قضايا السلام والاستقرار في أية دولة؛ لأنها ربطت بشكل واضح الأمن البشري بالتنمية البشرية.

 كما عقدت بعض القمم والمؤتمرات العالمية التي عززت هذا الربط بين تحقيق الأمن والاهتمام بقضايا التنمية البشرية، لعل أهمها القمة العالمية للتنمية الاجتماعية التي عقدت في العاصمة الدانماركية كوبنهاجن عام 1995، ولاحقاً في عام 2000، والتي نجحت في التوصل إلى اتفاق بين حكومات العالم على ضرورة أن يكون البشر هم محور كافة المساعي التنموية. وقمة الألفية التي انعقدت في مبنى الأمم المتحدة في نيويورك عام 2000، والتي أكدت نفس الأجندة كما وضعت أهداف محددة يتعين تحقيقها بحلول عام 2015 لوضع تلك الاتفاقات موضع التطبيق.

 ويعتبر تقرير التنمية الإنسانية العربية الأول لعام (2002) مثالاً حياً للمبادرة الصريحة التي تركز على الجانب الإنساني من التنمية؛ حيث حدد التقرير ثلاثة مجالات رئيسية تحتاج إلى اهتمام فوري من جانب حكومات المنطقة، وهي تحديداً: تطبيق معايير الحكم الجيد، وتمكين المرأة، وتأكيد الحصول على المعرفة. كما تؤكد وثيقة "أجندة السلام"، التي وضعها "د.بطرس غالي" صراحة أن أمن الإنسان يرتبط برفاهية البشر، ولا يتعلق فقط بالنزاعات الداخلية، وبالتالي فإن التركيز على الأمن يتعين أن يشمل تنمية الأبعاد الأخرى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للإنسان، على أن يأخذ فيما بعد بعين الاعتبار الهموم الحقيقية للإنسان العادي.

لا شك أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية سيظل مثالاً حياً وناجحاً لكافة الدول النامية في التعاون والاندماج، ولكن تظل هناك بعض الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات، فهل تحققت طموحات المواطن الخليجي؟ وهل تحول التركيز بالفعل من الهموم التقليدية حول القدرات العسكرية والأمن الوطني إلى الأمن الإنساني؟ وهل يجري العمل الآن على وضع رؤية واضحة حول مستقبل هذه الدول؟

إن ثمة حاجة تبدو ضرورية الآن للاهتمام بالمسائل الداخلية التي لها تأثير مباشر على رفاهية وتقدم مواطني الخليج، ومن ثم يتعين أن تتصدر هذه القضايا جدول أعمال قمة الرياض القادمة لقادة دول مجلس التعاون الخليجي. وهناك العديد من القضايا التي يمكن أن تبحثها القمة في هذا الصدد: 1) رغم انخفاض عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي فإن هناك حاجة إلى تخصيص جزء أكبر من موازانات هذه الدول على قضايا التنمية البشرية كالتعليم والتدريب والعمل والإسكان والرعاية الصحية، 2) أن دول مجلس التعاون الخليجي في حاجة إلى سياسات واضحة بشأن تقليل اعتمادها على العمالة الأجنبية حتى تكون قادرة على إيجاد المزيد من فرص العمل لقوة العمل الوطنية المتنامية بوتيرة متسارعة، 3) مشكلة شح الموارد المائية والتي أصبحت تشكل هاجساً لدول المنطقة، بل وباتت تمثل قنبلة موقوتة يتوقع انفجارها في أي وقت، كما أن هذه الدول بحاجة إلى رفع قدراتها الصناعية وتنمية قطاعاتها السياحية لكي تتمكن من تقليل اعتمادها على النفط، فضلاً عن أنها بحاجة إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء، وتوفير الاحتياجات المتنامية لعدد سكانها المتزايد ومتطلبات التنمية التي تشكل ضغطاً على الموارد البشرية لهذه الدول، 4) لن تظل المجتمعات المتعلمة والمثقفة في الخليج صامتة إلى الأبد؛ حيث تطرح هذه المجتمعات العديد من الأسئلة الحساسة مثل: إلى متى سنظل نحن مجرد مجتمعات رفاهية؟ كيف سنتمكن من المحافظة على مستوانا المعيشي الحالي؟ ما هو نوع المستقبل الذي نتوقعه لأجيالنا القادمة؟ ما هو دورنا في عملية صنع القرار؟ ما هي الخطط التي وضعناها للتنمية الاجتماعية والاقتصادية للأجيال القادمة؟ ماذا سيكون عليه مستقبل هذه الدول بدون النفط؟ هل اتخذت هذه الدول الإجراءات المناسبة لضمان التنمية الاقتصادية المستدامة بدون التهاون في مسألة الأمن؟ هل سعت الحكومات لإيجاد بدائل أخرى؟

إن هذا المجتمع الذي يتمتع بالمعرفة اللازمة يسعى جاهداً للاستفادة من موارده الحالية ويدعو حكومات دول مجلس التعاون الخليجي لأن تضع رؤية واضحة بشأن المستقبل. وبفضل توفير حرية التعليم للجميع نجحت دول مجلس التعاون الخليجي في إيجاد عدد كبير من المواطنين الذين بدأوا يطرحون مثل هذه الأسئلة، ولن يظل هؤلاء المواطنون قانعين وصامتين إلى ما لا نهاية.

ووفقاً للتوقعات الاقتصادية يمكن للمرء أن يقسم دول مجلس التعاون الخليجي إلى مجموعتين اقتصاديتين: الأولى تتمتع بأمن اقتصادي طويل الأمد بينما تواجه الأخرى أمناً اقتصادياً قصير الأمد. فلدى البعض احتياطيات نفطية ستدوم إلى نحو سبعين وربما مائة وسبعين عاماً، بينما لا يتمتع الآخرون باحتياطيات نفطية مؤكدة لأكثر من عقدين من الزمن، قد يتسبب ذلك في حدوث نوع من الاختلاف والتباين بين دول المجلس خلال السنوات القادمة. ومن ثم فإنه يتعين على قادة دول مجلس التعاون الخليجي أن يعيروا المزيد من الاهتمام إلى بعض القضايا الخاصة بمجالات التعاون والتنسيق الاقتصادي، مثل: 1) تعزيز الاستثمار الداخلي في دول مجلس التعاون الخليجي، والذي يمكن من خلاله إيجاد المزيد من فرص العمل للمواطنين، 2) النظر في إمكانية الاستفادة من قوة العمل الموجودة في دول لديها فائض من العمالة المتعلمة والمدربة، والتي تسعى للعمل في دول غنية تتمتع بمستويات رأسمالية واستثمارية عالية، 3) إيجاد سلة غذاء داخل دول المنطقة بالاعتماد على المناطق التي تتمتع بأراضي خصبة في دول مجلس التعاون الخليجي.

 وفي ضوء الروابط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتناغمة بين مجتمعات دول مجلس التعاون الخليجي، فإن هذا المجلس سيظل بمنزلة آلية مناسبة لمواطني هذه الدول لتحقيق أحلامهم المنشودة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات