قمة الدوحة العربية: قراءة في النتائج

د. مصطفى عبدالعزيز مرسي: قمة الدوحة العربية .. قراءة في النتائج

  • 6 أبريل 2009

وُصفت القمة العربية الحادية والعشرون، التي عقدت في العاصمة القطرية الدوحة في نهاية مارس/آذار 2009، بأنها كانت "استثنائية" في ظروفها وملابساتها، وذلك بالنظر إلى حجم المشكلات والتفاعلات التي تراكمت في الفترة التي سبقتها؛ حيث عُقدت هذه القمة في ظل نظام عربي "مأزوم"، وصل إلى درجة العجز عن اتخاذ مواقف واضحة تجاه الأحداث المصيرية والتحديات الجسام التي تواجه منطقتنا العربية، ولذا فقد اتخذت القمة من "المصالحة" شعاراً لها، على أمل أن تكون قمة وفاق واتفاق.

وقد سبق انعقاد هذه القمة بروز عدد من المتغيرات الإقليمية والدولية التي مثلت فرصاً وتحديات في آن واحد، فمن ناحية سبق انعقاد القمة ظهور عدد من التطورات السلبية، أبرزها صدور مذكرة توقيف الرئيس السوداني عمر البشير التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية، وهي أول مذكرة من نوعها تصدرها المحكمة بحق رئيس دولة مازال في سدة الحكم، وتولي حكومة يمينية متشددة برئاسة بنيامين نتانياهو السلطة في إسرائيل، الأمر الذي يغلق الطريق أمام احتمالات التسوية مع الفلسطينيين، فضلاً عن استمرار تبعات الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة.

في المقابل كان هناك عدد من التطورات المشجعة، والتي كانت تتطلب من القادة العرب العمل على استثمارها لصالح القضايا العربية، لعل في مقدمتها رحيل إدارة بوش غير مأسوف عليها، ومجيء رئيس جديد "أوباما" يرفع شعار التغيير والرغبة في حل المشكلات الإقليمية والدولية بعيداً عن منطق استخدام القوة العسكرية، وهو ما يحمل معه احتمالية حدوث تحسن نسبي للبيئة الدولية من منظور عربي. ومن هذه المتغيرات المشجعة أيضاً أن هذه القمة سبقها انعقاد القمة الاقتصادية العربية الأولى في الكويت في يناير/كانون الثاني 2009، والتي تم تخصيصها للبحث في القضايا الوظيفية المرتبطة باقتصاديات التكامل ومكافحة الفقر والبطالة، وهي أمور تعد ضرورية لتدعيم النظام العربي وربط مواقف دوله بقاعدة قوية من المصالح المشتركة التي تحميه من التعرض لأية هزات نتيجة التركيز على القضايا السياسية الخلافية.

كما مثّل إعلان واشنطن عن نيتها سحب قواتها من العراق نهاية عام 2011، ووضع نهاية طال انتظارها للاحتلال الأمريكي لهذا البلد، فضلاً عن التوجهات الإيجابية للإدارة الأمريكية الجديدة إزاء سورية، محفزات إضافية للدول العربية للعمل على تناسي خلافاتها وتطويع تناقضاتها لاستثمار هذه العوامل المشجعة والعمل على التوصل إلى تقويم مشترك لقضاياها، وتحقيق مصالحها التي تتوقف إلى حد كبير على مدى النجاح في تجاوز الخلافات العربية-العربية وبناء موقف عربي موحد تجاه القضايا المختلفة.

ومن المعروف أن العالم العربي كان قد انقسم قبل قمة دمشق واستمر بعدها، إلى ما يسمى محور "الاعتدال" في مقابل محور "الممانعة"، وهو في واقع الأمر تقسيم أمريكي-إسرائيلي، انساقت إليه بعض الدول العربية بغير وعي، أو عن وعي، فيما اختار بعضها الآخر البقاء في منطقة وسط رمادية، وكان الأخطر من ذلك هو إضافة البعد المذهبي إلى هذا التقسيم.

وشهدت الفترة ما بين قمة دمشق وقمة الدوحة استمرار هذا الانقسام والتنافس العربي-العربي الضار على انتزاع الأدوار الإقليمية، عوضاً عن التنسيق فيما بينها، مما أدخل دول المنطقة العربية فيما يسمى بـ"الحرب الباردة العربية"، الأمر الذي أضعف قدرة هذه الدول على فرض وجودها وتثبيت موقعها على خريطة المنطقة لتمثل رقماً صحيحاً وفاعلاً في معادلتها، عبر ضبط الأدوار العربية وتوزيعها والتنسيق فيما بينها، ولذا فقد شغل موضوع المصالحة العربية حيزاً مهماً من الاهتمام العربي.

وكانت الجهود المبذولة لتحقيق المصالحة قد بدأت قبل قمة الدوحة، وقادتها بصورة أساسية المملكة العربية السعودية، من خلال المبادرة التي طرحها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة الكويت الاقتصادية، وعقد قمة الرياض الرباعية، التي جمعت زعماء مصر وسورية والسعودية والكويت، في محاولة لتقريب المسافات السياسية بين الفرقاء العرب، ولاسيما مصر وسورية.

ومن جانبها، حاولت قمة الدوحة استكمال هذه الجهود، وتمكنت جزئياً من تحقيق بعض الاختراقات المهمة، من خلال تليين بعض المواقف السياسية المتصلبة (كالعلاقات الليبية-السعودية، والعلاقات السورية-السعودية)، إلا أن دوائر المصالحة لم تكتمل، وبقيت بعض الخلافات دون حل (كالخلاف المصري-القطري)، الذي انعكس في عدم مشاركة الرئيس المصري "حسني مبارك" في هذه القمة. ولكن ما يدعو للتفاؤل أن الجانبين تحدثا عن هذه الخلافات "العابرة" بأسلوب يعبر عن رغبتهما في تجاوزها. ويعزز من هذا التفاؤل أيضاً بإمكانية تحقيق المصالحة توقيع القادة العرب على وثيقة "تعزيز المصالحة والتضامن العربي"، والتي من شأن الالتزام ببنودها، تهيئة الأجواء أمام تحقيق مصالحة عربية حقيقية.

من ناحية ثانية، توصلت القمة إلى صياغة توافقية للقرار الخاص بالمبادرة العربية للسلام بشكل يترك مساحة للتوافق بين موقفين عربيين متباينين، أحدهما يطالب بسحبها، والآخر يرى تكتيكياً أن من المفيد تركها لبعض الوقت؛ فتم الاتفاق على أن يكون لها سقف زمني محدد، وقد عبر أمين عام الجامعة العربية "عمرو موسى" عن هذا الأمر في المؤتمر الصحفي الذي عقد في نهاية القمة، قائلاً: "إن استمرار طرح هذه المبادرة سيقاس بمستوى المنفعة وسيكون للعرب وقفة مع نهاية عام 2009 لتحديد الاتجاه الذي يتعين أن نسلكه".

والغرض من إبقاء هذه المبادرة على الطاولة هو عدم إعطاء الحكومة الإسرائيلية اليمينية الجديدة مبرراً للتهرب من استحقاقات السلام، فضلاً عن الرغبة في إعطاء إدارة أوباما، بشعبيتها الواسعة، الفرصة  للضغط على إسرائيل من أجل القبول بهذه المبادرة، وبحل الدولتين، ووضع حد للمراوغة الإسرائيلية.

كما عكس البيان الختامي للقمة وكلمات الزعماء العرب وجود قدر من التوافق إزاء كثير من النقاط التي كانت مثاراً للخلاف في السابق فيما يتعلق بالموقف من القضية الفلسطينية، ومن ذلك تأكيد: "أن الطريق الوحيد لدعم المقاومة هو عبر بوابة الشرعية الفلسطينية المتمثلة في السلطة الوطنية"، و"أن منظمة التحرير الفلسطينية ما زالت هي الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين". كما تضمنت كلمات الملوك والرؤساء إشادة ودعم بالجهود المصرية المبذولة لإتمام المصالحة الفلسطينية.

وفيما يتعلق بالملف الإيراني، تجنبت القمة في قراراتها التحدث بشكل واضح عن العلاقات العربية-الإيرانية، رغم أنها بحثتها، ولكنها فضلت ألا يشار إليها، كما تم تجنب دعوة الرئيس "أحمدي نجاد" لهذه القمة بناء على طلب عدة دول عربية، حتى لا يتسبب هذا الموقف في تعميق حدة الانقسامات العربية.

وكانت الفقرة الوحيدة التي وردت بالبيان الختامي فيما يتعلق بإيران تتعلق بالجزر الإماراتية المحتلة؛ حيث نصت على"التأكيد المطلق لسيادة دولة الإمارات على الجزر الثلاث التي تحتلها إيران، وإدانة الخطوات الإيرانية الرامية إلى تغيير الأوضاع فيها، ودعوة الحكومة الإيرانية إلى إنهاء الاحتلال والكف عن سياسة الأمر الواقع، وأن تترجم أقوالها بالرغبة في تحسين العلاقات مع الدول العربية إلى خطوات عملية". غير أن رد الفعل الإيراني على هذا القرار جاء لافتاً؛ حيث وصفت طهران القرار "بالأسلوب البالي الفاشل"، واعتبرته تدخلاً سافراً في شؤون إيران الداخلية، وأعادت الزعم بأن الجزر الثلاث كانت دوماً جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الإيرانية". ويعكس هذا الموقف التناقض الغريب في الموقف الإيراني؛ فقد دأبت إيران على التستر وراء شعارات دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، واستنكار استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، إلا أنها ترفض أي تحرك عربي لاستعادة الأراضي العربية التي تحتلها هي، وهو تناقض غريب يعكس عدم رغبة حقيقية في تحسين العلاقات مع العالم العربي؛ فالاحتلال هو الاحتلال سواء كان من يقوم  به إسرائيلياً أو إيرانياً.

وفيما يتعلق بأزمة الرئيس السوداني "عمر البشير" مع المحكمة الجنائية الدولية، اعتبر بعض المراقبين أن حضور "البشير" هذه القمة يمثل في حد ذاته نجاحاً للقمة، التي قدمت كل الدعم للبشير وساندته في هذه الأزمة، ولكن من دون أن تحث الخرطوم على تحمل مسؤولياتها تجاه معالجة الوضع الإنساني المتدهور في دارفور لتجنب تدويل هذه القضية، وهو ما يعكس استمرار النهج العربي الخاطئ الذي قاد إلى تفاقم هذه الأزمة.

خلاصة القول إن هذه القمة فتحت باب المصالحات العربية، لكن دون أن تضع أسساً ثابتة ومبادئ واضحة لمعالجة الخلافات المعلقة والمستقبلية، الأمر الذي يجعل هذه المصالحات شكلية وظرفية؛ فليس من المبالغة القول إن الشخصية العربية تجيد فن "الخروج عن الموضوع"، وبرعت فيه إلى الدرجة التي بقيت بها أغلب القضايا على حالها، مطروحة على جداول القمم العربية المتتالية دون حسم. فقد ساد هذه القمة نصف مصارحة، وربما كان مرجع ذلك أن الأنظمة العربية حريصة على المصالحة أكثر من حرصها على المكاشفة والمصارحة في هذه المرحلة من إعادة ترميم التضامن العربي، وبالرغم من أهمية هذا الأمر، فإنه ليس كافياً لعلاج عجز النظام العربي وترميم مؤسسة القمة العربية، التي تحولت، في نظر كثيرين إلى "لقاءات رمزية"، لا تتخطى حدود "محاولة سد الذرائع". 

Share