قمة أبوظبي بين الاستقرار والمخاطر

  • 13 ديسمبر 2010

دخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية العقد الرابع من عمره، وشكلت قمة أبوظبي الحادية والثلاثون كما قمة أبوظبي الأولى عام 1981 انطلاقة مرحلة جديدة من العمل الخليجي المشترك. ومع انعقاد كل قمة يتحول هذا الموعد السنوي إلى مناسبة للتذكير بأن نتائج هذا التعاون لا تزال في نظر مواطني الخليج أدنى بكثير من الطموحات والأهداف، والأهم أنها لا تزال دون مستوى القدرات الفعلية لدول المجلس.

ثمة توجه لا ينفك يتبلور، خصوصاً في الأعوام الأخيرة، ولعب فيه الأمين العام للمجلس عبد الرحمن العطية دوراً محركاً؛ إذ بات يركز على ضرورة توضيح الاستراتيجيات في مختلف المجالات وكذلك ربط مراحلها بأهداف محددة. رأينا ذلك في مشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس، كما في مشروع السوق الخليجية المشتركة. ولقائل أن يقول إن ثلاثين عاماً مضت وكان يفترض أن تكون السوق المشتركة واقعاً معاشاً وناشطاً الآن، أو أن يكون الربط الكهربائي قد أنجز وتوسع إلى دول مجاورة مثل اليمن، أو أن يكون الاتحاد النقدي قد شق طريقه ليكون أحد عوامل الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة… وهذا صحيح، ولا أحد من المعنيين يدافع عن التأخير الحاصل أو يبرره، لكن الواقع هو الواقع ولا يمكن أن يحصل أي تطوير إلا في حينه وعندما تكتمل عناصره كافة.

كثيرون يأخذون على هذا الواقع الخليجي أنه يقدم حالات من التنافس أكثر مما يوفر حالات من التعاون والتشارك ناهيك عن ملامح واعدة للتكامل. طبعاً هناك تفسيرات موضوعية لذلك وأهمها أن مجلس التعاون ولد في لحظة تاريخية كانت دوله تتأهب للشروع في نهضتها العمرانية والتنموية، بل يمكن القول إن كل دولة من دوله لم تكن مدركة تماماً ما هي قدراتها، وكانت لا تزال تحاول رسم تطلعاتها وتحديد أطر خصوصياتها. لذلك كان من الطبيعي أن تتريث في تقدير مساهماتها في المشاريع المشتركة. ولا شك أن تلك الخصوصية تعني لكل بلد أولويات لابد أن تختلف وتتمايز. وفي أيّ حالٍ لقد انتصرت فكرة أنك لا تستطيع أن ُتعاون أو تتعاون إلا إذا كان بينك وبين شركائك استعداد متكافئ للتعامل بندية ولو متفاوتة المعايير. وفي بعض الفترات تصاعد حماس الخليجيين لطرح مسائل الوحدة والاندماج آملين في مستويات معيشية وتنموية متماهية، وفي مجالات عمل واستثمار مفتوحة، وفي حدود رمزية، وفي هوية واحدة، وما إلى ذلك … وكل هذه الخطوات ممكنة إذا وضعت لها مفاهيم تبعدها عن الحساسيات والرواسب المتوارثة.

ووفقاً لهذه المفاهيم لا يعود التنافس عاملاً سلبياً إلا متى بد واضحاً أنه يغرق في إهدار الموارد أكثر مما يبني مؤسسات هشة لا هدف لها سوى التفرد والاستئثار. أما المفاهيم التي تعزز تغليب التعاون فيمكن أن تعني جدوى كاملة خصوصاً في قطاعات مثل التعليم والصحة والبيئة؛ لأنها تشكل مساهمة مباشرة في بلورة ثقافة اجتماعية موحدة كما هي الحال في بلدان أوروبا التي لا تجد صعوبات في ضم دول جديدة إلى اتحادها إلا فيما يتعلق بمقاييس القدرات الاقتصادية، أما المعايير الثقافية فتبقى متقاربة وتسهل عمليات الاندماج.

يفترض أن تكون دول مجلس التعاون قد أدركت الآن ما هي الحدود التي ينبغي أن ترسم للخصوصيات والمنافسات، لتتضح أمامها بالتالي معالم القطاعات التي يتحتم أن تكون مشتركة لتندفع في بنائها أو تطويرها بالحماس الخاص نفسه. ولأجل هذا ينبغي أيضاً الاعتراف لكل دولة بما استطاعت برهنته بحراكها في إطار خصوصياتها؛ لأن هناك خبرات وإنجازات نتجت عنه. فمن الطبيعي أن تكون السرعات مختلفة ومتفاوتة بين بلد وآخر، ومن يراكم تجربة في مجال يصبح مؤهلاً لإفادة المنطقة برمتها، ومن تأخر أو تباطأ لأسبابه الخاصة لابد أن يجد السبيل للاقتراب بتجربته إلى ما بلغه الآخرون؛ لأن أحد أهم معوقات عجلة التعاون الخليجي ذلك التفاوت في تحديث التشريعات.

عدا متطلبات البناء الذاتي وضرورات الوعي بالقدرات الذاتية والتوق إلى البروز على الخريطة العالمية، لابد للإنصاف الاعتراف بأن مسيرة مجلس التعاون عانت على الدوام من إقليم مضطرب لا ينفك يشوش سعيها للتركيز على التنمية ووضع مشاريعها التعاونية على سكّة مستقرة. كان العقد الأول من عمر المجلس انطبع بتداعيات الحرب العراقية- الإيرانية، والثاني بتداعيات الغزو العراقي للكويت، والثالث بتداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق. وليس مؤكداً الآن إذا كان العقد الرابع سيتمكن من تفادي مواجهة عسكرية محتملة على خلفية البرنامج النووي الإيراني والأزمة التي أثارها مع الدول الكبرى ولا تزال فصولها دائرة. لا شك في أن تلك الحروب فرضت على دول الخليج وقائع وانعكاسات أدت بدورها إلى تبديد موارد كان يفترض أن تخصص للتنمية. بل لعلها أجبرتها على إعطاء أولوية للهم الأمني والهاجس الدفاعي على حساب التخطيط لتطوير العمل الخليجي المشترك وتسريعه. وفي العادة، كلما طغى الانشغال بالأمن كان هناك بطء في التحولات الداخلية. ورغم تأثر دول المنطقة بهذا الاضطراب الإقليمي إلا أنها استطاعت دائماً أن تمرر الكثير من تطويرات البنية التحتية والمشاريع العمرانية وتحديث وسائل إنتاج النفط، المصدر الأساسي للدخول الوطنية. غير أن التحولات المطلوبة على الصعيد السياسي تبدو مضطرة للانتظار ريثما يتجلى الوضع الإقليمي ويتخذ وجهته نحو استقرار معمّم.

أظهرت قمة أبوظبي أن ورشات مجلس التعاون آخذة في التوسع، وأنها تبني شيئاً للمستقبل ولو بوتيرة وئيدة. وكان بالغ الدلالة أن يخصص "إعلان أبوظبي" لقضية المياه التي تكبر أهميتها يوماً بعد يوم بفعل تداخل أبعادها الحياتية والبيئية والأمنية والاقتصادية. ولعل التوصيات الخمسة عشرة التي تضمنها الإعلان توفر نظرة شاملة إلى متطلبات التعامل مع هذه القضية. لكن، هنا أيضاً، ينبغي التشديد على أهمية الالتزام الجماعي بتنفيذ ما يتفق عليه؛ لأن الأمر يتعلق بمسألة لم يعد يجوز فيها الإهمال أو التسويف. ذلك أن الخبراء الاستراتيجيين باتوا متيقنين بأن المياه ستكون محور الصراعات وربما الحرب المقبلة، ودول الخليج نالت حصتها وما يزيد عنها إذ باتت بحاجة إلى أي جهد يبعد أشباح الحروب كوارثتها. ومن المؤكد أن التعامل الرشيد مع قضية المياه سيكون مدخلاً جيداً لسياسات ترشيدية لم يعد هناك مفر منها، سواء في استهلاك الطاقة أو في مختلف القطاعات التنموية.

يبقى أن أي قمة خليجية هي أيضاً مناسبة لإعلان مواقف سياسية موحدة، ومن خلالها تعبر دول مجلس التعاون عن توجهاتها العامة في مختلف القضايا المطروحة إقليمياً ودولياً. فمع تجديد الموقف من الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث والدعوة إلى حل بالتفاوض أو باللجوء إلى محكمة العدل الدولية، كان مهماً بعد البلبة التي أحدثتها تسريبات موقع "ويكيليكس" تأكيد السياسة الخليجية الرسمية المتبعة إزاء أزمة الملف النووي الإيراني، وهي تراهن على حل سلمي ينبثق من مفاوضات "مجموعة 5+1". لكن البيان الختامي لقمة أبوظبي يبين خريطة متوسعة للهواجس الخليجية، فإلى جانب إيران هناك اليمن والعراق والقضية الفلسطينية ولبنان والسودان والصومال وباكستان فضلاً عن الكوريتين، ففي كل من هذه الملفات ما يقلق وما يدعو دول الخليج إلى تعزيز تضامنها والمحافظة على مقارباتها السلمية، خصوصاً أنه لا يغيب عن بال أحد فيها أنها مستهدفة ومدعوة دائماً إلى الحذر واليقظة، فعندما لا يكون الخطر خارجياً يكون داخلياً عبر الجماعات المتطرفة والمسلحة.

Share