قطاع غزة.. الحصار والغارات وسراب المصالحة

  • 18 يوليو 2012

يواجه قطاع غزة نسقاً من التحديات الكبرى التي تتضافر مفاعيلها؛ لتطال أوضاعه العامة وتفاصيل الحياة فيه. وتلخّص موضوعات: الحصار الخارجي والمواجهة ضد إسرائيل ومسيرة المصالحة، أبرز العناوين التي تعبّر عن وطأة المشكلات الجاثمة على صدر أبناء القطاع، وعلى مجمل العمل الوطني الفلسطيني.

وقد قررت الحكومة الإسرائيلية، بعد فترة وجيزة من سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة (منتصف حزيران/ يونيو2007)، أن هذه الحركة، هي "تنظيم إرهابي سيطر على القطاع وحوّله إلى منطقة معادية"؛ ومن ثم أمعنت في إطباق الحصار على القطاع وفق صيغة جديدة من الاحتلال، باتت تعرف في الأوساط الإسرائيلية باسم "احتلال ديلوكس"، وكان من أبرز مضامينها – ومايزال – ادعاء إسرائيل أنها ملتزمة فقط بالاتفاقيات التي وقعت عليها مع السلطة الفلسطينية، ومحاولة التنصل من الالتزامات المفروضة عليها؛ بوصفها سلطة احتلال وفق أحكام القانون الدولي الإنساني؛ بدعوى أنها انسحبت من القطاع، برغم أنها ماتزال في واقع الأمر تسيطر على حدود القطاع ومياهه ومجاله الجوي.

وكان واضحاً منذ ذلك الحين، أن الجهد الإسرائيلي يركز على عزل "حماس"، بموازاة السعي لسحق مشروعها، عبر عدد من الإجراءات العسكرية والأمنية التقليدية، إضافة إلى بعض الإجراءات الاقتصادية و"الحياتية"؛ مثل: قطع إسرائيل كل علاقاتها الاقتصادية بالقطاع تقريباً، وعدم السماح إلا بإدخال بعض المواد التموينية الأساسية، وتقديم بعض التسهيلات في مجال البنية التحتية.

وبتأثير الإغلاقات المتكررة لمعبر رفح من الجانب المصري، كان من البديهي أن تزدهر تجارة الأنفاق، وأن تصبح مكوناً أساسياً من البنية الاقتصادية لقطاع غزة، ومع أنه تم تخفيف القيود على المعبر، إلا أن القطاع مايزال يرزح تحت نير الحصار في النطاقين الإقليمي والدولي.

ومنذ سقوط نظام الرئيس مبارك في مصر، ومجيء نظام جديد كان من أبرز معالمه انتخاب الدكتور محمد مرسي، مرشح جماعة الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية الأخرى، رئيساً لمصر، بدأت حكومة "حماس" تشعر بالتفاؤل، إزاء إمكانية تبدل الحالة الراهنة، وإنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة. ولعل هذا ما يفسر بعض جوانب الفرحة العارمة لحركة "حماس" وأبناء القطاع، بفوز الدكتور مرسي.

وقد أفصحت إسرائيل مراتٍ عدة، عن رغبتها في إخراج قطاع غزة من مبدأ الوحدة الإقليمية لأراضي الدولة الفلسطينية المرتقبة، ونقل مسؤوليته إلى الجانب المصري، على خلفية التفكير في أن تكون مصر هي العنوان المرجعي لإسرائيل في المسائل الأمنية للقطاع. ومع الحلم بإمكانية تحقق هذه الرغبة، لم تدّخر إسرائيل جهداً في سعيها لإبقاء حكومة "حماس" والقطاع عموماً، رهينة للآلة العسكرية الإسرائيلية، وسط غياب تام للفعلين العربي والدولي الإنقاذيين. وظلت جولات التصعيد بين إسرائيل والقطاع، ترسم منحنى تصاعدياً لأعداد الضحايا والخسائر المادية في النطاق الفلسطيني، سواء قبل ما يسمى "عملية الرصاص المصبوب"، قبل نحو ثلاث سنوات ونصف، أو بعدها، حتى الآن.

وقد لوحظ أن الغارات الكثيفة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، في الأسبوع الثالث من حزيران/يونيو الماضي، وحصدت أرواح العشرات، وكبّدت القطاع خسائر مادية جسيمة، ترافقت واستخدام الثنائية الإسرائيلية ذاتها؛ استخدام القوة العسكرية الغاشمة، و"تكريس" الدور المصري وسيطاً ومشجعاً على وقف إطلاق النار والتهدئة.

وفي مفصل رئيس لهذه الثنائية، من المقدّر أن حسابات "حماس"، كانت تدور حول ترجيح احتمال امتناع إسرائيل عن اجتياح قطاع غزة؛ لأن القصف الصاروخي الفلسطيني، ظل تحت "العتبة الحرجة"، ولأن المستويات القيادية الإسرائيلية، لا تريد أزمات مع قيادة مصر الجديدة.

وينتمي إلى تلك الحسابات، أمر مهم جداً، يُلخص برغبة "حماس" في بلورة توازن بين التصميم على استمرار العمل المقاوم، (بعد الانتقادات التي تعرضت لها من بعض الفصائل الفلسطينية الأخرى في شهر آذار/مارس الماضي، عندما لم تشارك في إطلاق الصواريخ)، وعدم توسيع مدى إطلاق الصواريخ في الجولة الأخيرة؛ منعاً لتصعيد عالي السقف؛ وهو ما ساعد على التوصل إلى التهدئة.

ومما يثير الانتباه! أنه مقابل تأكيد "حماس"، (على لسان أيمن طه أحد قيادييها)، أن "التهدئة جاءت بموجب اتفاق جديد أبرم مساء يوم 23 حزيران/يونيو الماضي مع الاحتلال الإسرائيلي، برعاية مصرية"، أكد رئيس الهيئة السياسية والأمنية في وزارة الدفاع الإسرائيلية، اللواء احتياط عاموس جلعاد، في الأول من الـشهر الجـاري، أنـه "ليست هـناك أي تفـاهمات بـين إسـرائيل وحـماس"؛ وهو ما يعني – من أحد الجوانب – أن التفاهمات كانت مع القاهرة.

وفي هذه الأجواء، كررت إسرائيل التهديد بأن ردها سيكون "قوياً وقاسياً"؛ لمنع إطلاق الصواريخ. وبقيت التقارير الإسرائيلية تهيِّئ الأذهان لاحتمال حدوث جولة جديدة من المواجهة، قد تكون أعنف من سابقتها، ولاسيما – حسبما ذكرت تلك التقارير- مع حصول "حماس" مؤخراً، عبر سيناء والأنفاق، على دفعات جديدة من الصواريخ الإيرانية المتطورة من طراز "فجر"، وهي التي في إمكانها قصف العمق الإسرائيلي، بل أسهب الإسرائيليون في الحديث عن تسلل مقاتلي "القاعدة" من ليبيا، إلى سيناء وقطاع غزة، وقيامهم بتنفيذ عمليات وإطلاق صواريخ ضد مواقع إسرائيلية.

وحتى يكتمل المشهد، فإن ثمّة ما يقتضي تحري مغزى التدريبات التي بدأتها قوات لواء جولاني، أواخر شهر حزيران/يونيو الماضي، واستمرت أسبوعاً كاملاً، ليلاً ونهاراً، وهي التي بينت الصور والتقارير حولها، أنها كانت مخصصة للتدريب على تنفيذ عمليات حربية غير مسبوقة، وتضمنت محاكاة سيناريوهات عدة؛ منها: "إعادة احتلال قطاع غزة".

وعلى الجبهة الدبلوماسية، قامت إسرائيل بتقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي يوم 21 حزيران/يونيو الماضي؛ لإدانة الهجمات الصاروخية الفلسطينية، وأتبعتها بشكوى أخرى بعد أربعة أيام، في محاولة مكشوفة لتضليل الرأي العام العالمي، وللتغطية على جرائمها.

ويمكن أن نقول: إن السعي الإسرائيلي لإظهار "حماس" بصورة الطرف المعتدي والإرهابي، يُراد له أن يوظَّف – من بين أهداف عدة – في تمرير المقولات بشأن خطر المصالحة الفلسطينية على مستقبل العملية السياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية؛ لكون "حماس" تعارض هذه العملية، وتعمل على إنجاز مصالحة شاملة، على قاعدة برنامج وطني متفق عليه، لا يخدم هذه العملية السياسية.

وفي ظل الاعتراض الإسرائيلي، والاعتراض الأمريكي، على المصالحة الفلسطينية، يُثار تساؤل مركزي، حول كيفية إقامة دولة فلسطينية، في ظل وجود هذا الانقسام بين غزة والضفة الغربية!. كما تثار تساؤلات كثيرة، حول المسؤولية عن أسباب تعثر مسيرة المصالحة؛ حتى بات الأمر معها يتعلق بسراب.

ومما يذكر هنا، أن حركتي "فتح" و"حماس"، اتفقتا خلال اجتماعهما في القاهرة يوم 6 حزيران/يونيو الماضي، على أسماء أعضاء حكومة الوفاق الوطني الانتقالية الجديدة التي سيترأسها رئيس السلطة محمود عباس، وكان من المقرر الإعلان عن هذا الاتفاق رسمياً في القاهرة يوم 20 حزيران/يونيو، بحضور عباس، وخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس". ولكن ذلك لم يحدث؛ فقد أخذت حكومة الوفاق الوطني هذه، تواجه معوقات داخلية؛ في مقدمتها: الملف الأمني، وتعيين نائب أو نائبين لرئيس الوزراء، وأخرى خارجية تتعلق بمدى الرضا والقبول لدى إسرائيل وأمريكا، لحكومة يشارك فيها وزراء من "حماس" أو مقربون منها، وخاصة بعد تلكؤ عباس، في العودة إلى المفاوضات مع إسرائيل، والتوجه نحو المصالحة الداخلية. ولكن هذا التوجه، اصطدم هو الآخر بعقبة جديدة مفاجئة، مُثِّلت بإعلان عباس أن "تشكيل الحكومة مرتبط بإعلان واضح، يحدد موعد الانتخابات المقبلة".

وقد ردت "حماس"، بأن هذا الربط بين المصالحة والانتخابات يتعارض واتفاقاتها وتفاهماتها مع حركة فتح، وأن الانتخابات هي ثمرة للمصالحة وليست شرطاً لها، وطالبت "حماس"، بضرورة توفير العوامل التي تسمح بإجراء هذه الانتخابات، ويتضمن ذلك: تنظيم حملة انتخابية في ظروف طبيعية في الضفة الغربية، والسماح للفلسطينيين في القدس الشرقية بالمشاركة فيها، والحصول على ضمانات دولية لإلزام إسرائيل بوقف شن حملات الاعتقال ضد قيادات "حماس"؛ منعاً للتحكم الإسرائيلي في العملية التنافسية وفي نتائج الانتخابات.

ثم تفرعت القصة، بطرح الدكتور موسى أبو مرزوق، وهو الشخص الثاني في قيادة "حماس" يوم 27 حزيران/يونيو الماضي فكرة إعطاء إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني الأولوية؛ ليمارس عمله ويكون الوعاء الشامل والموجه الأساسي للسلطة الفلسطينية. وقد رأت حركة "فتح" والسلطة الفلسطينية في هذا الطرح، محاولة من "حماس"؛ لتعطيل إجراء الانتخابات؛ بسبب "خوفها من الهزيمة، بعدما أثبتت استطلاعات الرأي تراجع شعبيتها، في الضفة الغربية وقطاع غزة".

.. وأمام هذا الانغلاق لأفق المصالحة، جاء فوز الدكتور محمد مرسي برئاسة مصر؛ ليستقطب الأنظار والأمنيات؛ أملاً في إسهامه في مساعدة الفلسطينيين على الخروج من الحلقة المفرغة للخلافات الداخلية، في سياق استعادة الدور المصري الرّيادي بدعم القضية الفلسطينية، وفك الحصار – ضمناً – عن قطاع غزة، وتمكينه من الصمود في مواجهة العدوان الإسرائيلي. إنها مراهنة.. ويثق كثيرون بأن هذا الرهان سينجح، وبأن المولود سيخرج حياً.

Share