قطاع التعليم بحاجة إلى الإفادة من الشركات والعالم الواقعي

  • 5 أكتوبر 2011

في مقابلة حصرية لموقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على شبكة الإنترنت، أُجريت على هامش مشاركته في المؤتمر السنوي الثاني للتعليم الذي عقده المركز في مطلع أكتوبر 2011 بعنوان: "مرتكزات التعليم المدرسي في دولة الإمارات العربية المتحدة"، أشاد البروفيسور تان أون سنغ، عميد المعهد الوطني لتعليم المعلمين بجامعة نانينج للتكنولوجيا في سنغافورة، بالجهود التي تبذلها دولة الإمارات العربية المتحدة في مجال تطوير التعليم، كما تناول يالشرح والتوضيح مفهوم التعليم القائم على حل المشكلات، مؤكداً أهمية مزج أنماط التعليم القديمة والجديدة من أجل تحقيق النتائج المثلى للعملية التعليمية. وفيما يلي نص المقابلة:

س1: كيف تنظرون إلى الجهود التي تبذلها حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة في تعزيز برامج التعليم، وما الذي يمكن القيام به لتحسين معايير تلك البرامج؟

ج: دعني أولاً أهنئ حكومة دولة الإمارات على التزامها بتطوير التعليم، وأنا معجب بما تبديه من اهتمام، وما تخصصه من استثمارات في هذا المجال. ومن واقع الأدبيات المنشورة، والكلمة التي ألقاها الدكتور مغير [خميس الخييلي، مدير عام مجلس أبوظبي للتعليم]، يمكنني القول إن البلاد لديها رؤية جيدة جداً. وكأستاذ جامعي راقب العديد من نظم التعليم في مختلف أنحاء العالم واطَّلع على كثير من التقارير، بما في ذلك تقريريْ ماكينزي والبنك الدولي، أقول إن دولة الإمارات لديها رؤية حقيقية وجميع المكونات اللازمة لتعزيز برامجها التعليمية. وهذا أمر مهم جداً؛ لأنه من دون الرؤية لا يمكن المضي في الاتجاه الصحيح، ولكن هناك بعض التحديات سواءا فيما يتعلق بالتنفيذ، أو بمواءمة برامج التطوير للاحتياجات المحلية؛ لأن الشيطان يكمن في التفاصيل كما يقال. وهناك حاجة لقدر معين من الصبر والصقل عند المضي قُدماً.

س2: تشتمل مجالات أبحاثك على التعليم القائم على حل المشكلات (PBL) وعلم النفس المعرفي. أين تقف دولة الإمارات ودول الخليج العربية في هذين المجالين؟ وما هي الخطوات الأخرى التي يتعين القيام بها؟

ج: ألاحظ أن ثمة عمليات كثيرة لمراجعة المناهج في الدول العربية؛ وتوجد مخاوف بشأن أسلوب التعلّم القائم على الحفظ، كما هو الحال في دول أسيوية أخرى؛ حيث توجه انتقادات لهذا التوجه. وأود أن أعطي المنظور الصحيح بهذا الشأن؛ فهذا النمط من التعلّم ليس سلبياً كما يعتقد البعض، فإذا نظرنا إلى نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA)، سنلاحظ أن دولاً مثل كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة، بالإضافة إلى مقاطعة وشانغهاي في الصين، والمعروف عنها اتباع أسلوب التعلّم القائم على الحفظ في مناهجها الدراسية، حققت نتائج جيدة جداً. ويجب أن نذكر، في هذا الخصوص، أن برنامج التقييم الدولي للطلاب لا يرتبط بنمط التعلّم عن طريق الحفظ وحده، فهو يرتبط أيضاً بنمط التعلّم القائم على حلّ المشكلات. ومع ذلك، فقد أبلت هذه الدول بلاءً حسناً في التقييم.

ولذلك، في الوقت الذي نشعر فيه بقلق مبرَّر بشأن التعلّم القائم على الحفظ، علينا تطوير المنظور الصحيح بشأن ما يشكل الأسس الجيدة في التعلّم عن طريق التلقين، والتعلّم عن طريق النمذجة أو التقليد، والتعلّم عن طريق المحاكاة. وأعتقد أن هناك بعض القيمة في التعلّم بالحفظ الجيد، والذي يتضمن الربط بمهارة، أو إيجاد وسيلة إبداعية للربط بين الأشياء لتذكُّر قدر كبير من المعلومات. إن ما يتعين علينا القيام به هو البناء على هذا الأساس، والتحرك نحو حل المشكلة على نحو جيد. هذا هو ما أعنيه بالتعلم القائم على حل المشكلات، الذي يرتبط في الواقع بالتعامل مع سيناريوهات العالم الحقيقي. وبعبارة أخرى، يشير هذا النمط من التعليم إلى كيفية تطبيق ما نتعلمه في حل مشكلات العالم الواقعي. وعندما نستخدم تعقيدات أو مشكلات العالم الحقيقي كأساس لحفز عملية التعلّم، سوف تأخذ العملية نمطاً مختلفاً تمام الاختلاف.

س3: هل تنحصر فائدة التعلّم القائم على حل المشكلات في المدارس أم ثمة مستويات أخرى يتصل بها مثل التعليم العالي أو تدريب المعلمين؟

ج: يجب أن يطبق هذا النمط من التعلم في المدارس ومؤسسات التعليم العالي وبرامج تدريب المعلمين. فالفكرة هنا أننا لا نتعلم الأشياء بطريقة نظرية فحسب، أو من أجل امتحان نؤديه ثم ننسى كل ما تعلمناه فيما بعد. لقد تحدث الدكتور عبد السلام المجالي في مؤتمركم هذا عن تخلص الأطفال من كتبهم بعد الامتحانات. وهذه قضية لا يقتصر حدوثها على العالم العربي؛ فهي تحدث في أماكن أخرى من العالم أيضاً. إن ما نحتاجه هو تحويل الطلاب إلى فهم العالم الواقعي ومحاولة معالجة مشكلاته.

ولذلك، فإن التعلّم القائم على حل المشكلات يرتبط بجعل المنهج بأكمله أكثر واقعية من خلال تعريض المتعلمين لمشكلات العالم الحقيقي. فعلى سبيل المثال، في الرياضيات أنت لا تتعلم الصيغة فقط، فأنت تعطيهم مشكلة من العالم الواقعي لحلها. بعبارة واحدة، يجب إعطاء الطلاب موقفاً حقيقياً وإحصاءات واقعية للعمل عليها.

س4: كنت مستشاراً للكثير من الشركات متعددة الجنسية والمنظمات الدولية، فهل أصبحت مبادرات تطوير الموظفين حكراً على عالم الشركات؟ وهل صناعة التعليم متخلفة في هذا المجال؟

ج: عندما تنظر إلى جميع الشركات متعددة الجنسية، تلاحظ أن التعلم عملية مستمرة. لقد تغير العالم اليوم؛ والمعرفة هي الأساس، ورأس مال أي شركة يكمن في العاملين فيها. وإذا نظرت إلى شركتي آبل ومايكروسوفت مثلاً، تجد أن المسألة لا ترتبط بالتكنولوجيا وحدها؛ وإنما ترتبط بالإنسان الذي يعمل فيهما وبالموهبة الفكرية. ولذلك، أعتقد أن الاستثمار في التعلّم وفي إنشاء شبكة المعرفة يمثل اتجاهاً قوياً داخل قطاع الشركات.

ومع ذلك، فقد تخلف قطاع التعليم عن الركب في هذه المجالات، ويجب أن يكون أكثر جرأة في رغبته في التعلّم في العالم الحقيقي، والارتقاء على منحنى التعلّم. وعلى القائمين على التعليم اليوم أن يتحلّوا بتلك الذهنية.

س4: ما أوجه الشبه والاختلاف بين برامج التعليم في سنغافورة ودولة الإمارات؟ وكيف يمكن للدولتين أن تتعلم إحداهما من الأخرى؟

ج: أعتقد أن لكل دولة ظروفها المختلفة ومراحلها التنموية المتباينة. فعلى سبيل المثال، ينبغي للدول أن تعتمد نماذج لمعايير الكفاءة والمساءلة. تلك مسألة مهمة وعلى كل بلد أن يمرّ بتلك المرحلة. ولا يمكن للمرء أن يبقى في مرحلة نموذج الكفاءة، فعليه الانتقال إلى نموذج أكثر شمولية، وهكذا. لقد سئلت عن كيفية تطور المناهج في سنغافورة، والوقت الذي يستغرقه تغيير الأمور. وقلت إنها رحلة قد تستغرق من 10 إلى 20 سنة على الأقل لكل عملية تنفيذ بسيطة لسياسة أو خطة معينة، مثل تنفيذ خطة تتعلق بتطوير المناهج الدراسية مثلاً. وكما تقول الحكمة العربية: ليس المهم مدى بطء الخطوة الأولى أو سرعتها، الأهم أن تكون في الاتجاه الصحيح.

س5: ما هو الإنجاز الأكبر للمعهد الوطني للتعليم؟

ج: من أهم إنجازات المعهد الوطني للتعليم أننا تعلمنا أفضل ما لدى الشرق والغرب، ثم عدّلناه ليتسق مع احتياجاتنا المحلية. أما الإنجاز الثاني فيتعلق بما استخلصناه من أنه ينبغي أن نجمع بين أفضل ما في القديم والجديد. إننا لا نتخلص من كل ما هو قديم. فعلى سبيل المثال، كان هناك جدل قوي هذا الصباح بشأن ثنائية اللغة. نحن أيضاً لدينا سياسة واضحة للغاية بشأن ثنائية اللغة، ومن المهم جداً أن نفهم النظام التقليدي، لكن علينا في الوقت نفسه أن نكون ملمّين تمام الإلمام بالنظم الجديدة.

وأخيراً، وليس آخراً، أعتقد أنه لكي تكون ناجحاً في القرن الحادي والعشرين، فيجب أن تعتمد على الاقتراب البحثي. وقد كان تحرُّك المعهد الوطني للتعليم سريعاً جداً في هذا الجانب. لقد أصبحنا كلية لتعليم المعلمين تتسم بكثافة الاعتماد على الأبحاث، وربما بما يتجاوز كثيراً من الكليات العليا على المستوى الدولي.

س6: ما مدى أهمية دور الإبداع في تقنيات التعلّم الحديثة وكيف يمكن تحسينها؟

ج: هناك بالتأكيد مجال للتحسين. هناك كثير من الأمور يمكن لقطاع التربية أن يتعلمها من الشركات والعالم الواقعي. إن أحد الأسباب التي جعلتني معروفاً في مجال التعلّم القائم على حل المشكلات لا يرتبط كثيراً بالمنهجية؛ فهذا النمط من التعلّم موجود في أوروبا وأمريكا منذ فترة طويلة، والناس ينظرون إليه على أنه علم أصول التربية في حد ذاته. إن السبب في ذلك هو أنني أنظر إلى العمليات المعرفية في التعلّم القائم على حل المشكلات. ومن الناحية الأساسية، عندما تتحدث عن الإبداع، فإنك تتحدث أيضاً عن طرق التفكير، وكيفية إنتاج شيء جديد. وفي نهاية المطاف، يجب على الإبداع أن يعبر عنه من خلال الابتكار. ومن هنا، فإن كل ذلك يستدعي ما أسميه أنواعاً مختلفة من التفكير. إنه يستدعي التفكير ضمن الإطار الأوسع، وهو ما يختلف تمام الاختلاف عن التفكير التحليلي. ولكن في الوقت نفسه، عندما تريد ابتكار شيء ما، فإنك تكون بحاجة إلى تفكير تحليلي جيد جداً، وعندما تتعقد الأمور، عليك أن تعرف كيف تتجاوز التفكير التحليلي باتجاه التفكير التبايني.

س7: كيف يمكن لتقديم المشورة في مدارس دولة الإمارات أن يساعد على تحسين كفاءة الطالب وأدائه؟

ج: يجب أن نعود من جديد إلى الطالب. على المرء أن يعترف بأن المعرفة ليست كل شيء في التعلّم؛ فالعواطف شديدة الأهمية. كثير من الأطفال لا يتعلمون في المدارس، ليس بسبب قدرتهم الذهنية وإنما لكونهم غير مستعدين عاطفياً للتعلّم. والمشورة لها دور كبير جداً في الجوانب الاجتماعية والعاطفية.

Share