قضية العرب المركزية… إلى انحلال

د. بشارة نصار شربل : قضية العرب المركزية... إلى انحلال

  • 24 يناير 2005

لو قام أحدنا بتمرين بسيط، وسأل رجل الشارع في العالم العربي أو الطالب الجامعي أو السيدة الجالسة أمام التلفزيون السؤال التالي: ما قضية العرب المركزية؟ لفوجئ حتماً بالجواب، ولاكتشف أن أكبر كارثة تسبب بها نظام صدام حسين ليس فقط استبداده ومقابره الجماعية واستدراجه الاحتلال، بل تغييره، وبشكل خطير، الأولويات، وإحالة قضية فلسطين إلى الباحة الخلفية للاهتمامات.

لنعترف ولنقل بصراحة. قضية فلسطين لم تعد قضية العرب المركزية. فمنذ احتل صدام حسين الكويت في 1990 وجه طعنة إلى القلب العربي الكبير، مثيراً مشاعر كراهية عربية ــ عربية، ودافعاً دول الخليج إلى اتفاقات الاضطرار لحماية نفسها وحماية شعوبها من أي مفاجآت. ولم يكد الجرح الكويتي الذي تسبب بانقسام في العالم العربي يبدأ بالشفاء، حتى فوجئ الجسد العربي بطعنة نجلاء سددها إليه أسامة بن لادن، عبر "غزوة نيويورك"، التي أعطت المبرر للتدخل الأمريكي المباشر في المنطقة، وجعلت على رأس الأولويات، ليس الأمريكية فقط، بل الوطنية والقومية أيضاً، مكافحة الإرهاب.

عملياً، صار هاجس العرب منذ حادثة 11 سبتمبر/أيلول درء تهمة الإرهاب عنهم بشتى الوسائل. ثم ما لبث أن صار هاجسهم منع الإرهاب من إضرام النار في بيوتهم. وبديهي، حين يطال التهديد أمن وطن وشعب، أن يجرف في طريقه فائض المشاعر، وأن يُحارب بأسبقية حب البقاء. ومن مدخل هذا الهاجس الطارئ والخطير تتعاطى الولايات المتحدة، التي تقود الهجوم الدولي في المنطقة، مع قضية فلسطين على أنها واحدة من المسائل الشائكة، لكن التي يمكنها أن تُعالج على حدة وبشكل منفرد، وليس بوصفها جوهر النزاع في المنطقة والسبب الحقيقي في تفجر الإرهاب ومشاعر العداء تجاه الغرب وخصوصاً الولايات المتحدة

لو لم تكن الولايات المتحدة غارقة في حرب العراق، ولو لم تكن الدول العربية قلقة من الإرهاب الذي يتصدر جدول أعمال لقاءات زعمائها ومؤتمرات وزراء داخليتهم، لكان حدث فريد ومهم مثل انتخاب محمود عباس رئيساً جديداً للسلطة الفلسطينية بشفافية وحرية، أسّس لبداية حل أو أطلق مفاوضات التسوية من جديد بدفع أمريكي وغربي يتسلح بديناميكية ديمقراطية لدى الفلسطينيين. لكن الشكوك في قدرة أبو مازن على استثمار هذا التطور التاريخي مشروعة، إذ إن واشنطن لا تزال تنظر إلى الحل من منظور إسرائيلي، وتربط الكفاح المشروع بالإرهاب. ثم إن أول مهمة للرئيس الجديد هي السير على حد السيف على الصعيد الداخلي، والموازنة بين ضبط الداخل الذي يعني عملياً وقف عسكرة الانتفاضة، وبين الحفاظ على السلم الأهلي الداخلي.

غداً لناظره قريب. فواشنطن التي لا تتنكر لالتزام بوش إقامة دولة فلسطينية، تشهد تسلم كوندوليزا رايس وزارة الخارجية، لينتهي معها عهد "القوة الهادئة" المتمثلة بالجنرال الدبلوماسي، ويحل عهد الدبلوماسية الهجومية التي لا ترى على شاشة رادارها إلا أبيض وأسود، أي عالماً ذا فسطاطين، أحدهما مع الإرهاب والآخر ضده. ولا يخفى أن رايس لا ترحب كثيراً بفكرة تعيين مبعوث خاص للرئيس بوش إلى الشرق الأوسط يحرمها التدخل المباشر والمطلق عبر مساعديها الخلّص، من غير أن تمانع بالطبع في تحريك المسار الفلسطيني-الإسرائيلي وفقاً للوقائع الإسرائيلية المستجدة على "خريطة الطريق"، ووفقاً للشروط الجديدة التي تضعها حكومة شارون للقاء أبو مازن.

 ما علاقة التطورات العراقية بدفع المسار الفلسطيني-الإسرائيلي؟

قد تشكل الانتخابات العراقية، في نهاية شهر يناير/كانون الثاني 2005، لحظة مفصلية في تاريخ العراق والمنطقة. لكن من غير المتوقع أن تصير محطة انتقال من حال الحرب المفتوحة ضد الشرطة العراقية والجيش الأمريكي إلى حال سلام وتسليم بشرعية المنتخبين. ولا يستبعد أن تنشط العمليات العسكرية وتدفع واشنطن إلى سياسة عسكرية أكثر هجومية، الأمر الذي قد يُفقد انتخاب أبو مازن تلك القوة الدافعة ويُبرّد الاهتمام بتحريك الحل في انتظار الانتهاء من مستنقع العراق. لكن من غير المستبعد على الإطلاق استغلال الحرب الدائرة في العراق للضغط على إسرائيل والفلسطينيين لتحقيق تسوية منفردة تجرجر أذيالها في التنفيذ سنوات عدة، وتحول القضية الفلسطينية برمتها إلى مجموعة تفاصيل إجرائية، بعد أن تنزع عنها هالة القدسية، وتضبطها تحت ثوب المطالب الوطنية المقطوعة عن أي امتداد.

انطلاقاً من ذلك، يمكن النظر بعين الخطورة إلى الرفض الإسرائيلي لليد الممدودة من سورية لاستئناف المفاوضات، بل إلى كلام الرئيس بوش الواضح والصريح الذي يعتبر أن سورية ضعيفة الآن ولا يمكن الاعتماد عليها ويجب عليها الانتظار. ولا لبس على الإطلاق، فأي مساهمة أمريكية في الحل ستنطلق من مبدأ الاستفراد ومن رفض فكرة التضامن العربي والموقف الواحد من القضية الفلسطينية. والعرب لا يتوانون في إعطاء الذرائع للأمريكيين في هذا الشأن. فهم، بعجزهم عن الإصلاح الداخلي وعن تطوير أنظمتهم وإفساح المجال لنشوء قوى سياسية حية تتداول السلطة، حولوا بلدانهم إلى ساحات للضغط الأمريكي، وجعلوا من عناصر القوة التي يمتلكونها مآخذ ومبررات للاتهام. ولم يعد لديهم بالتالي أي سلاح يشهرونه في وجه تفتيت الموقف والتعامل معهم على أساس دول منفصلة، غير مترابطة، ولا يحكمها مصير مشترك. فإذا كان هاجس كل دولة هو بقاء النظام وأشخاص النظام ومصالح النظام، فمن البديهي أن تحاول واشنطن ومعها إسرائيل تجريد قضية فلسطين من مرتكزاتها القومية. والعرب أنفسهم يتحملون المسؤولية الأساسية عما آل إليه حال تضامنهم وحال قضيتهم ومقدساتهم.

 تعطي اجتماعات الجامعة العربية وغيرها من الكيانات الإقليمية العربية ونوعية السلم البارد السائد بين كل دولة عربية وشقيقتها فكرة عن حجم التمزق الذي حل بالنظام العربي وحجم الخلل الذي أحدثه التنافر بين الدول العربية الناجم عن المصالح والأنانيات وغياب الرؤية قبل أن يكون ناجماً عن الضغوط والاستهدافات الخارجية. فطبيعي والحال هذه أن تتراجع القضية المركزية التي كانت تجمع العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، لتحل محلها المشاعر الوطنية الضيقة وهواجس البقاء، وهي هواجس غير مدانة بالمطلق لكنها تختلف كثيراً عن طموحات كانت الشعوب العربية نسجت حولها الأحلام، فاستحالت أضغاث أحلام.

 قضية العرب المركزية، من المبكر نعيها، لكنها على طريق الانحلال. ومن يكن أكثر تفاؤلاً ما عليه سوى البرهان.

Share