قرار مجلس الوزراء وتنمية المشاريع الصغيرة

د. محمد عبدالرحمن العسومي: قرار مجلس الوزراء وتنمية المشاريع الصغيرة

  • 2 يوليو 2015

اتخذ مجلس الوزراء في الدولة مؤخراً، قراراً مهماً بإنشاء مجلس لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، إذ يتوقع أن تترتب على هذا القرار، نتائج اقتصادية واجتماعية تسهم في إضفاء المزيد من التنوع على الاقتصاد المحلي، وخصوصاً أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تلعب دوراً مؤثراً في الاقتصادات المتقدمة، كما أنها تعتبر أحد الأسباب الرئيسية التي أسهمت في تقدم بعض البلدان؛ كاليابان، وفي بزوغ البلدان الناشئة، بما فيها كوريا الجنوبية، حيث تسهم هذه المشاريع بـ 90% تقريباً من الناتج المحلي وتوفر معظم الوظائف، ما يؤدي إلى زيادة معدلات النمو ومعالجة البطالة وتخفيض نسبتها؛ وفي سبيل تطويرها أقيمت مؤسسة خاصة بتنميتها، سواء من جوانبها التمويلية أو المؤسساتية؛ ففي بريطانيا على سبيل المثال، كان هناك وزارة خاصة بالمشاريع الصغيرة، تعنى بوضع الدراسات والرؤى المهتمة بتطويرها، وتوفير السبل المتعلقة بنجاحها، وتذليل العقبات التي تعترضها.

وقد اهتمت دولة الإمارات منذ قيامها، بتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وبالأخص في مجال التمويل وتقديم التسهيلات اللازمة، حيث أصدر المغفور له بإذن الله تعـالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيب الله ثراه – قانوناً اتحادياً في عام 1982، بتأسيس مصرف الإمارات الصناعي الذي قام على مدى ثلاثين عاماً بدور فاعل في تقديم التسهيلات التمويلية والاستشارات، وإعداد الدراسات والبحوث للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ما أدى إلى إقامة المئات من هذه المشاريع وتوسيع نشاطاتها ورفع قدراتها الإنتاجية. وفي فترة لاحقة، تم تأسيس صندوق الشيخ خليفة لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة في أبوظبي، ومؤسسة الشيخ محمد بن راشد في دبي، اللذين أسهما في تقديم الكثير من القروض والتسهيلات التمويلية لتنمية هذه المشاريع. وقد أدى ذلك إلى رفع عدد المشاريع الصغيرة والمتوسطة ليبلغ 5878 منشأة في العام الماضي 2014، ولتشكل في المجال الصناعي 85% من إجمالي المشاريع الصناعية و90% من إجمالي عدد المصانع ومؤسسات الأعمال وتقوم بتوظيف 84% من القوى العاملة في الدولة.

وفي الوقت الحاضر تسهم المشاريع الصغيرة والمتوسطة بـ 62% من الناتج المحلي غير النفطي و30% من الناتج المحلي الإجمالي في الدولة، حيث يتوقع أن يسهم مجلس المشاريع الصغيرة والمتوسطة الذي أعلن مجلس الوزراء عن تأسيسه في رفع هذه النسبة بصورة تدريجية، من خلال دعم إقامة مشاريع جديدة ورفع الطاقة الإنتاجية للقائم منها؛ لتصل إلى المستويات المتقدمة ولتسهم في حل العديد من القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وبالأخص تنويع مصادر الدخل وتوفير المزيد من فرص العمل.

ولكن، لماذا تحتل المشاريع الصغيرة والمتوسطة كل هذه الأهمية للاقتصادات الحديثة؟ بالإضافة إلى ما ذكر آنفاً حول توسيع القاعدة الإنتاجية والتجارية وتوفير الوظائف، فإن السهولة التي يمكن من خلالها إقامة هذه المشاريع، تعتبر عامل جذب للإبداع وتطوير الأعمال، وبالأخص للشباب، ولاسيما أنها تعتمد على رأس مال متواضع وتقنيات بسيطة، وهذا ما يميزها عن المشاريع الكبيرة التي تتطلب رؤوس أموال وإمكانات هائلة ربما لا تتوافر لدى صغار المستثمرين، وتفوق طاقات المتوسطين وبعض الكبار منهم.

والحقيقة أنه يمكن للمجلس الجديد تقديم دعم مهم لتقوية الأسس البنيوية والقدرات المالية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، فدولة الإمارات تتمتع ببنية تحتية متقدمة للغاية، تتيح تطوير مختلف الصناعات، كما أنها تتمتع بأنظمة تشريعية وتسهيلات تشجع على إقامة مختلف المشاريع، بما فيها الصغيرة والمتوسطة، كما أن التجربة السابقة لمصرف الإمارات الصناعي الذي أدمج قبل أكثر من عامين مع المصرف العقاري؛ ليشكلا معاً مصرف الإمارات للتنمية الذي رفع رأس ماله إلى 10 مليارات درهم، يمكن أن تسند إليه مهمة رئيسية لتحقيق أهداف الدولة من خلال المجلس الجديد، وذلك إلى جانب الدور المهم لكل من صندوق خليفة ومؤسسة محمد بن راشد. وفي الوقت نفسه يمكن للمجلس أن يستفيد من التجربة السابقة لهذه المؤسسات المتخصصة التي تشير إلى وجود بعض الصعوبات التي واجهتها هذه المشاريع؛ كغياب الخطط التسويقية عند بعضها واتكال أصحابها على الغير في إدارتها.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنه يبدو أن هناك بعض العقبات الهيكلية التي تحد من زيادة المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الكلي؛ ففي الوقت الذي تتساوى فيه على سبيل المثال، نسبة عدد هذه المشاريع لإجمالي المشاريع في الدولة مع النسب المماثلة في البلدان المتقدمة، فإن مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي محلياً، تقل إلى النصف تقريباً، عن مثيلتها في البلدان الأخرى، ما يمكن من خلاله الخروج بنتيجة مهمة للغاية، تتمثل في ضعف القدرة الإنتاجية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة في دولة الإمارات ودول مجلس التعاون بشكل عام.

إن هذه النتائج التي لا يمكننا إيجازها هنا، ستشكل إحدى أهم المهام التي يمكن للمجلس الجديد معالجتها؛ للارتقاء بعمل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي يمكن الوصول بها إلى الأهمية التي تمثلها، سواء بالنسبة إلى مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، وتوفير فرص العمل أو المساهمة في تنويع القاعدة الإنتاجية وزيادة الصادرات وتحسين الميزان التجاري وميزان المدفوعات، وكذلك تهيئة كفاءات مؤهلة في إدارة الأعمال الخاصة، وبالأخص بين الشباب المواطنين، ما يخفف الطلب على الوظائف العامة، ويخفض الأعباء على موازنة الدولة، ويضفي على الاقتصاد المحلي المزيد من المرونة والقابلية للنمو والتطور.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات