قرار إيران رفع: تخصيب اليورانيوم.. الدلالات والتداعيات

  • 7 نوفمبر 2019

يمثل إعلان إيران البدء بتخصيب اليورانيوم بنسبة 5%، تطوراً خطيراً، ليس فقط لأنه يمثل انتهاكاً صريحاً لالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي، ولكن أيضاً لأنه دليل على خطورة النوايا الإيرانية، وعدم الثقة بها ويزيد من الشكوك حول نيتها فعلاً امتلاك أسلحة نووية.
جاء إعلان طهران استئناف تخصيب اليورانيوم في منشأة فوردو، جاء تنفيذاً لتهديد سابق بالانتقال إلى المرحلة الرابعة من تقليص التزاماتها بموجب الاتفاق النووي الذي وقعته مع الدول الكبرى منتصف عام 2015؛ ويأتي هذا القرار، كما تقول طهران، رداً على عدم قيام الأوروبيين بما يجب من أجل إنقاذ الاتفاق؛ حيث أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي، أن جهود أوروبا لإنقاذ الاتفاق النووي لم تثمر حتى الآن. وهو يقصد بالطبع أن الأوروبيين لم يتخذوا الخطوات التي تطالب بها طهران من أجل تجاوز العقوبات الشديدة التي فرضتها الولايات المتحدة عليها في أعقاب انسحابها من الاتفاق منتصف عام 2018.
وبرغم أن ما أعلنته طهران يمثل انتهاكاً صريحاً لالتزاماتها الدولية، فإنه بالمقابل ينطوي على دلالات مهمة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار:
أولاً، أن العقوبات الأمريكية بدأت تؤتي أكلها، حيث ساهمت في تراجع حاد في تصدير النفط، المصدر الرئيسي للدخل القومي للبلاد، وزاد التضخم بمعدلات قياسية؛ بينما يوشك الاقتصاد المحلي على الانهيار. ولكنه بالمقابل، ربما لم يؤثر في القادة الذين لا يبدو أنهم مكترثون فعلاً بما يعانيه الشعب الإيراني من مصاعب اقتصادية، جعلت الغالبية العظمى من الإيرانيين تعيش الآن تحت خط الفقر؛ أي أن العقوبات التي فرضت على قادة النظام لم تؤثر كثيراً؛ وليست كافية من أجل إجبارهم على تغيير سلوكهم. وهذا يعني أن هناك حاجة إلى عقوبات أشد وربما وسائل ردع أقوى تجبرهم على القبول بما تطالب به واشنطن وحلفاؤها بالمنطقة أو تواجه عواقب وخيمة.
ثانياً، يمثل هذا الإعلان تصعيداً إيرانياً خطيراً ليس مع الولايات المتحدة فقط، ولكن مع المجتمع الدولي بأكمله؛ ويمثل على وجه الخصوص حرجاً للأوروبيين الذين ما زالوا يؤكدون تمسكهم بالاتفاق النووي، ما دامت إيران كذلك؛ وبما أن طهران تعلن بنفسها خرقها لبنود الاتفاق وتخفض التزامها بموجبه، فهي هنا تحرج الاتحاد الأوروبي وتضعه في موقف صعب؛ حيث لا يترك هذا لهم فرصة للبقاء في الاتفاق. وبدل أن تقوم طهران بالاستجابة لمطالب المجتمع الدولي فيما يتعلق ببرنامجها النووي والبالستي؛ تهرب إلى الأمام وتعمل على ابتزاز الأوروبيين لعلمها بأنهم حريصون على الاتفاق؛ وذلك من منطلق أنه أفضل الممكن لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي؛ ومن ثم فإن طهران تستغل الموقف الأوروبي من أجل الابتزاز والحصول على مساعدات أو صفقة بحزمة مالية أكبر مما سبق أن عرضه الجانب الأوروبي وهو 15 مليار دولار بضمانات النفط.
ولكن حسابات إيران تبدو خاطئة؛ فلا يمكن للأوروبيين أن يقبلوا بهذا الابتزاز، بل ربما يسهم في تغيير موقفهم من الاتفاق؛ وقد عبر الأوروبيون عن قلقهم الشديد ورفضهم لأي خطوات تضعف الاتفاق النووي، بل حذرا من عواقب لذلك. كما أن ارتكاب طهران مزيداً من الانتهاكات للاتفاق قد يدفع أطرافه الأوروبية – ألمانيا وفرنسا وبريطانيا – إلى تفعيل آلية لحل النزاعات في الاتفاق، وهذا الأمر قد يفضي في النهاية إلى إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة التي تم رفعها عن طهران بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ.
ثالثاً، هذا الإجراء يتيح بالطبع لإيران الحصول على كمية أكبر من اليورانيوم المخصب وبفترة أقل؛ ومن ثم يزيد من كمية اليورانيوم اللازمة لإنتاج سلاح نووي في فترة قصيرة، وخاصة أنها أعلنت أنه يمكنها الوصول إلى تخصيب بنسبة 20%، ما قد يعني أنه قد تحصل على كميات تساعدها في إنتاج سلاح نووي ربما في غضون سنة، بحسب بعض المراقبين. وهذا أمر خطير ولا خلاف على أنه يشكل تهديداً ليس فقط للاستقرار الإقليمي، وإنما أيضاً للأمن والسلم الدوليين؛ وذلك بالنظر إلى خطورة النظام الإيراني الذي لا يمكن الحكم على سلوكه إذا ما امتلك سلاحاً نووياً.
إذاً، نحن أمام تطور مهم وخطير يدل على عدم اكتراث إيران بإرادة المجتمع الدولي ولا بجديتها في إيجاد حلول من أجل الاستقرار في المنطقة، فما تقوم به يعارض تماماً ما تتحدث عنه؛ وهو ما يتطلب موقفاً أقوى وأكثر حزماً من المجتمع الدولي وخاصة من الأوروبيين.

Share