قراءة في مؤشرات حربية

عبدالوهاب بدرخان: قراءة في مؤشرات حربية

  • 10 يوليو 2008

قبل حرب تحرير الكويت في العام 1991 حرصت الولايات المتحدة على مطالبة إسرائيل بالبقاء خارج العملية كلياً، واستمر الموقف الأمريكي حازماً حتى بعد سقوط صواريخ "سكود" عراقية في مناطق فلسطينية-إسرائيلية. وقبل الحرب على العراق في العام 2003 تواصل الحرص الأمريكي ذاته، كما أن المعارك لم تستدع أي تدخل. غير أن تقارير مختلفة المصادر تحدثت عن تغلغل استخباراتي إسرائيلي بعلم الأمريكيين. وكانت الرغبة في استبعاد الإسرائيليين عن الصورة مبنية على عدم إثارة الحساسيات العربية.

 لكن الأمر يبدو مختلفاً في مقاربة احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران؛ فالمناورات الجوية الواسعة التي أجرتها إسرائيل فوق شرق المتوسط قبل نحو أسبوعين، أحيطت بدعاية مفادها أن تلك المناورات هي تدريب على ضرب إيران. وكان لافتاً أن أي دولة عربية لم تعلن موقفاً، لا تلك المعنية مباشرة في الخليج ولا تلك المعنية أقل في الشرق الأوسط. بل جاءت الإدانة من دولة وحيدة هي روسيا، ومن جهة واحدة هي المدير العام لوكالة الطاقة الذرية الدكتور محمد البرادعي بصفته معنياً بالتعاطي مع إيران بشأن برنامجها النووي. ولعل تلويح البرادعي بالاستقالة يشير إلى أن الرجل تعلم من درس المراقبين الدوليين الذين أُوفدوا أواخر عام 2002 وأوائل عام 2003 إلى العراق ولم يكن لتقديراتهم أي وزن أو تأثير؛ لأن قرار الحرب كان محسوماً.

 سبقت المناورات الإسرائيلية وتلتها مجموعة مؤشرات يمكن استعراضها، مترابطة أو منفصلة، لرصد معالم الصورة. وهناك احتمالان: إما أن يكون ما يجري مجرد ضغط سياسي على إيران لحملها على القبول بـ "سلة الحوافز" التي قُدمت إليها باسم الدول الـ 5+1 لقاء وقف تخصيب اليورانيوم ووضع برنامجها النووي تحت رقابة وكالة الطاقة الذرية. وإما أن تكون المناورات العسكرية والسياسية تهدف إلى التمويه على خيار اللجوء إلى القوة… وإذا كانت واشنطن لم تستبعد في أي وقت الخيار العسكري، إلا أنها لا تزال تعطي أولوية للخيار الدبلوماسي. وبدا واضحاً أن هناك رغبة أمريكية في ضرب إيران، ليس فقط بسبب برنامجها النووي، وإنما خصوصاً لأنها انتهزت التورط الأمريكي في العراق، وكذلك في أفغانستان، لتبني لنفسها نفوذاً إقليمياً يمكن أن يساهم في حماية برنامجها النووي.

 وتتشارك الولايات المتحدة وإسرائيل حالياً في كونهما لا تعوّلان على المساعي الأوروبية لإنجاح الحل السلمي. تماماً كما كانت واشنطن توافق على مهمات المراقبين بقيادة هانز بليكس في العراق ولا تعوّل عليها في بلورة قرارها بالنسبة إلى شن الحرب. ولا شك أن قفز إسرائيل إلى واجهة الصراع مع إيران، مع العلم بأنها مستعجلة لإطلاق الحل العسكري، يعبّر عن بلوغ الحسابات الأمريكية-الإسرائيلية مرحلة إنضاج القرار. وبما أن الرئيس جورج بوش لا يتمتع، وهو في نهاية ولايته الثانية، بإمكان بناء ملف حرب والذهاب إليها إلا في حال تعرض الولايات المتحدة لهجوم عسكري، لذلك انبرت إسرائيل للقيام بالمهمة نظراً لأن قرارها الحربي شبه جاهز. هذا لا يمنع إطلاق حملة استفزاز استدراجاً لخطأ إيراني يمكن أن يشكل الذريعة المرتقبة.

 في الخريف الماضي أطلق وزير الخارجية الفرنسي تصريحاً بالغ الوضوح محذراً إيران من أنها إذا لم تستجب لمتطلبات الحل السلمي فإنها ستواجه احتمال ضربها عسكرياً. جاء هذا التصريح بعد أسابيع قليلة من اللقاء الأول بين بوش والرئيس الفرنسي، الجديد آنذاك، نيكولا ساركوزي. واستلزم الأمر سلسلة "توضيحات" فرنسية للقول بأن الوزير برنار كوشنير إنما كان يبدي تقديراً عاماً ولا يقصد التهديد. وخلال زيارة بوش لإسرائيل منتصف أيار (مايو) الماضي عقد لقاءً مغلقاً مع وفد صغير من كبار المسؤولين الإسرائيليين. ونقلت عنه "هآرتس" قوله إنه بات مقتنعاً بوجوب التوجه إلى الهدف (إيران) مباشرة، لا الاكتفاء بإضعافه عبر الأطراف التي يحركها في سورية أو لبنان أو العراق أو حتى في فلسطين، واستلزم الأمر كذلك نفياً قاطعاً من البيت الأبيض. وبعد أيام، وقف رئيس الأركان الإسرائيلي السابق شاؤول موفاز ليعلن وجوب ضرب إيران بلا تأخير. وقيل إن موفاز حاول جذب الأنظار إليه في الأزمة السياسية الداخلية، لكن الأمر استلزم إعلان أن موفاز تلقى توبيخاً، ما يعني أنه إما تحدث فيما لا يعنيه أو أنه لفت نظر إيران في وقت غير مناسب.

 وفي غضون الأسابيع الأخيرة شهدت منطقة الشرق الأوسط مجموعة تطورات تبدو منفصلة، إلا أنها تذهب في اتجاه واحد: تهدئة وضوابط للتهدئة. فمن جهة انخرط الإسرائيليون في مفاوضات غير مباشرة مع سورية، وقيل إن هذه المفاوضات بدلت أجواء الحرب في المنطقة. ثم وافقت حكومة إيهود أولمرت على "تهدئة متبادلة" مع سلطة "حماس" في غزة، كما أقرّت تبادل الأسرى مع "حزب الله" في لبنان. ولم تكن حلحلة الأزمة في لبنان بعيدة عن هذا التوجه لكن مع حرص جميع الأطراف على إبقاء الساحة اللبنانية قابلة لاستئناف المواجهة، إذا لزم الأمر. يضاف إلى ذلك أن الوجهة التي اتخذتها المنازلة بين القوات الحكومية والميليشيات (جيش المهدي) في العراق بدت وكأنها محاولة لتأسيس واقع مختلف لا تكون فيه لإيران اليد العليا.

 وعندما عقد الرئيس بوش مؤتمراً صحافياً للإعلان عن بدء تخفيف العقوبات على كوريا الشمالية، بعدما قدمت براهين على أنها باشرت الاستغناء عن برنامجها النووي، كانت الملاحظة الأكثر تداولاً لدى المراقبين أن كوريا الشمالية خرجت من "محور الشر" الذي كان يضمها وعراق صدام حسين مع إيران، أي لم يبق سوى الأخيرة في ذلك "المحور". ما يعني أن تركة بوش ستبقى موسومة بتردده في مواجهة إيران، التي تحدّت أمريكا ونفوذها في المنطقة. وقبل ذلك بأيام قليلة أطلقت بريطانيا تحذيراً، بقي مستغرباً، من هجمات إرهابية محتملة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ثم اعتمدت الولايات المتحدة هذا التحذير. ولم يقدم البريطانيون ولا الأمريكيون أي تفسير، وكان أحد التبريرات التي تجمعت لدى المحللين أن في ذلك رسالة لإيران.

 وإذا كان للمنطق الإسرائيلي أن يفرض نفسه، باعتبار أن أحداً لم يتقدم لنقضه أو رفضه، فلا بد أن له علاقة بحسابات الانتخابات الرئاسية الأمريكية؛ فإسرائيل لا تريد أن تفوّت فرصة وجود جورج دبليو بوش في البيت الأبيض، وتخشى أن تتغير الظروف أياً كان الفائز في اقتراع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ولا شك أنها تفضل جون ماكين على باراك أوباما خلفاً لبوش. لذلك فهي ترى أن الفرصة السانحة الآن قد لا تتكرر، وإذا سنحت فإنها قد تتأخر وربما تصبح إيران عندئذٍ أكثر خطورة "نووياً". ومن الواضح أن إسرائيل تتصور سيناريو متداولاً منذ أعوام، مؤداه أن تقوم هي بالضربات الأولى، وترد إيران، فتضطر واشنطن للتدخل وإكمال العملية واحتواء التداعيات.

 وطالما أن الأمر يبقى، حتى الآن، في إطار المناورة، فإن طهران لم تبدُ مستفَزَة لكنها استجابت لمنطق التصعيد بتصعيد مضاد. أما جديد هذه الأجواء الحربية فنجده في أمرين: الأول هو الكشف عن قرار أمريكي بتنفيذ عمليات سرية داخل إيران، على غرار ما حصل قبيل شهور من غزو العراق. والثاني يتمثل بوجهة نظر أبداها أحد أقطاب المحافظين الجدد الأمريكيين، ريتشارد بيرل، إذ نشر مقالاً وصف فيه الباحثين عن حل سلمي مع إيران بـ "تحالف الفاشلين"، مؤكداً أن المسعى المتعدد الأطراف الذي نجح في كوريا الشمالية لن يجدي مع إيران، وبالتالي لا بد من العودة إلى النهج الانفرادي تجنباً لمعوقات القرار والحسم. وكان بيرل، وهو من أشد المؤيدين حماساً لإسرائيل، أحد أبرز مهندسي الحرب على العراق.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات