قراءة تحليلية لردود الأفعال الدولية إزاء أحداث إيران

  • 4 يناير 2018

تراوحت المواقف الدولية إزاء الأحداث الراهنة في إيران ما بين المؤيد والداعم لها (الولايات المتحدة وإسرائيل)، باعتبارها تعبر عن تطلعات الشعب الذي يواجه أوضاعاً اقتصادية ومعيشية صعبة، والمتحفظ بشأنها ريثما تتضح مساراتها خلال الأيام المقبلة (الاتحاد الأوروبي)، والمحايد (روسيا) الذي يعتبرها شأناً داخلياً.
استحوذت حركة الاحتجاجات التي تشهدها إيران منذ أيام، على اهتمام ومتابعة العالم أجمع، ليس فقط لأنها تعتبر الأكبر منذ الاحتجاجات ضد الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل التي شهدتها عام 2009، والتي خرجت تحت شعار «الحركة الخضراء»، وشارك فيها ملايين الداعمين للمعارضة رفضاً لإعلان فوز محمود أحمدي نجاد بفترة رئاسة ثانية، وإنما أيضاً بسبب طريقة تعامل السلطات الإيرانية معها، وهي التي تميل إلى القمع والإفراط في استخدام القوة ضد المتظاهرين، واعتبار هذه المظاهرات والاحتجاجات مؤامرة خارجية تستهدف النيل من النظام الإيراني، وهذا يفهم من تصريحات المرشد الأعلى السيد علي خامنئي الذي قال في منشور على موقعه الرسمي على الإنترنت: «أعداء إيران استخدموا، في الأيام الأخيرة، أدوات مختلفة بما فيها الأموال والأسلحة والسياسة والاستخبارات لخلق مشاكل في الجمهورية الإسلامية».
الولايات المتحدة الأمريكية تفاعلت منذ بداية الأحداث مع مطالب الشعب الإيراني، وأعلنت تضامنها مع حقه في الحرية والحياة الكريمة، بل إن الرئيس دونالد ترامب رأى في العديد من التغريدات على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، أن الأنظمة القمعية لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، وأن زمن التغيير حان في إيران». بينما قالت مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة نيكي هيلي، إن الاحتجاجات التي تشهدها إيران «عفوية بالكامل»، وأضافت أن الولايات المتحدة ستطلب عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لبحث الوضع في إيران. ووصفت الاتهامات الإيرانية للولايات المتحدة بالوقوف وراء هذه المظاهرات والاحتجاجات بأنها «سخيفة». وأضافت هيلي: «الشعب في إيران يصرخ من أجل الحرية، ويجب على كل الشعوب المحبة للحرية أن تساند قضيته». كما أعلنت الخارجية الأمريكية إدانتها اعتقال المتظاهرين خلال الاحتجاجات الحالية، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية هيذر نويرت: «إن الولايات المتحدة تحث جميع الدول على تقديم الدعم العلني للشعب الإيراني ودعم مطالبه في التمتع بالحقوق الأساسية وإنهاء الفساد».
الاتحاد الأوروبي عبر عن موقف حذر إزاء أحداث إيران، فقد أعرب عن أمله في أن تضمن السلطات الإيرانية حق التظاهر للمواطنين، وقالت متحدثة باسم فيديريكا موجيرني منسقة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي «تابعنا التظاهرات التي قام بها المواطنون الإيرانيون خلال الأيام الماضية، وكنا على اتصال بالسلطات الإيرانية، ونتوقع أن يكون الحق في التظاهر السلمي وحرية التعبير مضموناً بعد التصريحات العلنية للرئيس روحاني». وأعربت ألمانيا عن قلقها إزاء الوضع الراهن في إيران، ودعا وزير الخارجية الألماني زيجمار جابرييل الحكومة الإيرانية إلى الحفاظ على حقوق المتظاهرين في التجمع السلمي بحرية، وقال: «أنا قلق جداً نظراً إلى التطورات الأخيرة في إيران، والأخبار عن سقوط قتلى جدد بين المتظاهرين والعديد من الاعتقالات». وقال وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون: «نراقب بقلق الأحداث الجارية في إيران»، مؤكداً ضرورة حماية حقوق المواطنين الإيرانيين في التظاهر السلمي». ودعت فرنسا بدورها السلطات الإيرانية إلى الالتزام بضبط النفس في التعامل مع المتظاهرين، لكن تقارير صحفية أشارت إلى تأجيل زيارة وزير الخارجية الفرنسي جون إيف لودريان إلى طهران، وهي التي كانت مقررة الأسبوع الجاري، الأمر الذي يعطي مؤشراً على خطورة الأوضاع الراهنة في إيران، وخاصة أن حركة الاحتجاجات بدأت تنتشر في العديد من المدن الإيرانية، ويرتفع سقف مطالب المتظاهرين، حتى إن هناك شعارات خرجت لأول مرة تطالب بإسقاط النظام والمرشد علي خامنئي.
أما موسكو فقد اعتبرت أن ما يحدث في إيران هو شأن داخلي، وعبرت وزارة الخارجية الروسية عن أملها بألا تتحول الاحتجاجات في إيران إلى العنف، و«ألا تنمو في ظل سيناريو مرسوم بالدم والبطش»، وفقاً لما نقلته وكالتا «تاس» و«سبوتنيك» الروسيتان. وشددت وزارة الخارجية كذلك على أن «أي تدخل في الشؤون الإيرانية لزعزعة الاستقرار في البلاد أمر غير مقبول».
أما على الصعيد الإقليمي، فقد أعلنت إسرائيل، أنها تشجع الاحتجاجات الحالية، لكنها أكدت على لسان وزير المخابرات «إسرائيل كاتس»، أن سياسة إسرائيل هي عدم التدخل في الشؤون الداخلية لإيران. إلا أنه اعتبر أنه «إذا نجح الشعب (الإيراني) في تحقيق الحرية والديمقراطية فسيختفي كثير من التهديدات الموجهة اليوم لإسرائيل والمنطقة بأكملها». وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بينامين نيتانياهو، في تعليقه على الاتهامات الإيرانية لإسرائيل بالوقوف وراء الاحتجاجات: إن هذ الاتهام «عارٍ عن الصحة ويثير الضحك»، لكن نتنياهو لم يخفِ تأييده لهذه الاحتجاجات، معتبراً أن «سقوط النظام الإيراني سيؤدي إلى صداقة بين الإيرانيين والإسرائيليين»، على حد وصفه.
قراءة ردود الأفعال الدولية تشير إلى عدد من الأمور والملاحظات المهمة، أولها أن الولايات المتحدة تتبنى موقفاً أكثر تأييداً للشعب الإيراني، وتنظر إلى هذه المظاهرات باعتبارها حقاً مشروعاً للشعب الذي يعاني جراء سياسات النظام العدائية في المنطقة، ليس هذا وحسب، بل إنها تسعى إلى توظيف هذه الأحداث لممارسة ضغوط حقيقية على النظام لتغيير سياساته والتوقف عن ممارساته المزعزعة للأمن والاستقرار في المنطقة، والتخلي عن الميليشيات المسلحة ودعم التنظيمات الإرهابية، وذلك من خلال دعوة مجلس الأمن إلى الانعقاد لمناقشة هذه الأحداث، لكن ليس واضحاً حتى الآن وجود دعم كافٍ بين أعضاء مجلس الأمن لعقد هذا الاجتماع. وتعتبر إسرائيل أكثر المواقف تطابقاً مع الموقف الأمريكي، لأنها ترى أن إيران تمثل مصدر الخطر الرئيسي لها في المنطقة، ولهذا فإنها تأمل أن تقود حركة الاحتجاجات المتصاعدة في إيران إلى تغيير النظام الحالي. ثانيها أن المواقف الأوروبية تميل إلى الحذر والتريث ريثما تتضح مسارات الأحداث في إيران، وهذا يمكن تفسيره انطلاقاً من المصالح الاقتصادية والتجارية الواسعة للعديد من الدول الأوروبية في إيران، حيث تستثمر العديد من الشركات الأوروبية في قطاع النفط والغاز الإيراني، ومن ثم فإن هذه الدول لا تريد أن تورط نفسها في مواقف تحسب عليها فيما بعد، وخاصة إذا نجح النظام في احتواء هذه المظاهرات. ولعل الملاحظة الجديرة بالانتباه، أن الموقف الأوروبي من الأحداث الحالية في إيران جاء أقل بكثير من الموقف الذي اتخذه قادة الاتحاد الأوروبي خلال احتجاجات عام 2009، حيث أدانوا بالإجماع خلال قمتهم في بروكسل العنف ضد المتظاهرين، ودعوا إيران إلى السماح للإيرانيين بالتظاهر السلمي وضمان حرية التعبير للشعب الإيراني، أما في هذه الأحداث فلم تصدر إدانة واضحة من جانب الاتحاد الأوروبي لتعامل السلطات الإيرانية مع حركة الاحتجاجات. ثالثها أن الموقف الروسي جاء محايداً، واعتبر هذه الاحتجاجات شأناً داخلياً، وهو أمر يمكن تفسيره انطلاقاً من علاقات المصالح المتشابكة التي تربط موسكو بطهران، والتي لا تقتصر فقط على صفقات الأسلحة واتفاقيات التعاون التجاري والاقتصادي، وإنما تمتد إلى التنسيق المشترك فيما يتعلق بأزمات وقضايا المنطقة المختلفة، وعلى رأسها الأزمة السورية، وخاصة أن الدولتين تعتبران من أشد مؤيدي النظام السوري، وتدافعان عنه في مختلف الهيئات الإقليمية والدولية. رابعها برغم تباين المواقف الدولية في التعامل مع حركة الاحتجاجات التي تشهدها إيران حالياً، فإن ثمة اتفاقاً على تفهم دوافعها، باعتبارها تعكس حالة الغضب الشعبي إزاء سياسات النظام التي هدرت جانباً كبيراً من موارد ومقدرات إيران في صراعات خارجية، وفضلاً عن ذلك، فإن هناك اتفاقاً على دعم تطلعات الشعب الإيراني وحقوقه في الحرية والكرامة الإنسانية والتنمية الاقتصادية، ومطالبة السلطات الإيرانية باحترام هذه الحقوق كاملة.

Share