قانون العدالة والمساءلة…هل يحقق الاستقرار في العراق؟

د. هدى النعيمي: قانون العدالة والمساءلة...هل يحقق الاستقرار في العراق؟

  • 3 فبراير 2008

أقر البرلمان العراقي يوم 14 يناير/كانون الثاني 2008 قانون العدالة والمساءلة ليحل محل قانون اجتثاث البعث الذي وضعه الحاكم المدني الأمريكي السابق "بول بريمر" بعد احتلال العراق في أبريل/نيسان 2003، والذي مثل متغيراً رئيساً أسهم بشكل كبير في تفاقم الوضع الأمني في العراق وما رافقه من عمليات قتل وتصفية طالت البعثيين، ارتكب كثير منها نتيجة فتاوى دينية تحريضية ضدهم.

وقد يُنظر لقانون العدالة والمساءلة الجديد، والذي يبيح لبعض أعضاء حزب البعث المنحل شغل المناصب الحكومية والوظائف العامة، على أنه يمثل تدبيراً أو إجراء جاء متأخراً كثيراً لتحقيق المصالحة الوطنية في العراق، وبأنه يعكس رغبة أمريكية في تعزيز الاستقرار والإفادة من مناخ الأمان الذي ساد العراق في الأيام الأخيرة مع تصاعد الحملة ضد تنظيم القاعدة. غير أن هذا القانون وُوجه بمواقف متباينة بين من رآه ضرورياً لإعادة السلم الأهلي وإصلاح العطب الذي أصاب النسيج المجتمعي، وبين من انتقده بحجة أنه يسمح بإعادة أعضاء حزب البعث إلى السلطة من جديد.

وفي ظل ما يميز الأوضاع السياسية العراقية الداخلية من تعقيدات، ولاسيما عندما يكثر عدد اللاعبين السياسيين نسبياً، وعندما يمر تعارض وجهات النظر عبر تقلبات المناخ السياسي المرتبط بأكثر من أجندة سياسية ومصلحة خارجية، فإن الصعوبة تكمن في كيفية إدارة حرب الثقافات التي راحت تتصاعد بين الفرقاء العراقيين وتنطوي على تناقضات اجتماعية وصراعات سلطوية واختلافات ثقافية واتجاهية، تؤشر إلى احتمال استمرارية الصراع القائم بسبب غياب الثقة بين هؤلاء الفرقاء.

ومع ذلك ينبغي الحذر من المبالغة في قدرة القانون الجديد على إلغاء روح الانتقام التي أزهقت أرواح كثير من العراقيين المحسوبين على حزب البعث، أو وقف الدور الذي تقوم به أجهزة الاستخبارات الإيرانية في عمليات الاغتيال التي نفذت وتنفذ بحق عناصر حزب البعث على يد الميليشيات التابعة لأحزاب سياسية مقربة من إيران، في الوقت الذي لم تكن فيه الولايات المتحدة تهتم بما يجري للبعثيين، ومارست الصمت إزاء عمليات القتل والتصفية التي تعرضوا لها، حتى بدت عملية اجتثاث الحزب وكأنها جزء من تثبيت الحكم لصالح قوى الميليشيات الشيعية وأحزابها الإسلامية.

بعبارة بديلة فإن قانون اجتثاث البعث كان محكوماً بالعلاقات الأمريكية-الإيرانية، وأضاف رصيداً داعماً للأحزاب الإسلامية الشيعية التي انفردت بترتيب المشهد السياسي، ومن ثم فإن اعتماد التصفيات بحق البعثيين على اختلاف درجاتهم الحزبية، كان يُراد به ترسيخ ثقافة الإذعان والقبول بما يريده الآخر، وعدم إبداء المعارضة وإلا فسيكون المصير هو القتل والتصفية، وصولاً لمجتمع ساكت، وهو نفس الأسلوب الذي مارسه النظام السابق.

وما يقال عن أن القانون الجديد هو احتواء للأقلية العربية السنية ومحاولة لترضيتها، يجافي الواقع كثيراً؛ فالحكومة الحالية لا تهتم بالشراكة السياسية أو ضمان استقلالية الجيش والقوات المسلحة بعيداً عن التدخلات الحزبية، أو الاعتماد على معيار الكفاءة والجدارة في تولي المناصب الحكومية، أضف إلى ذلك أنه قد تم التعامل مع البعثيين وفق انتماءاتهم الطائفية، وتم الفرز والتمييز بينهم على أساس وجود فئتين، الأولى اضطرت للانخراط في الحزب درءاً للضرر، فيما كانت الأخرى مقتنعة ومساندة للحزب وتوجهاته، وبالتالي لا يمكن أن تتم المساواة بينهما. ولكن ما هي المعايير التي تستخدم للتمييز بين الفئتين وعلى أي أساس يمكن أن يحدث هذا التمييز؟ تبقى الإجابة على هذين السؤالين من الأمور الغامضة التي تعرقل تحقيق الهدف من القانون الجديد.

وانطلاقاً من منطق الأكثرية والأقلية الذي بدأ يحاجج به الساسة العراقيون منذ الاحتلال، كأساس يجب أخذه بعين الاعتبار في العملية السياسية، يمكن القول في حقيقة الأمر إن أغلب البعثيين هم من مكون الأكثرية في المجتمع، ولهذا فإن ما يقال عن حزب البعث بوصفه حزباً يمثل طائفة واحدة إنما هو قول يجانب الصواب، لأن الحزب يضم كل المكونات المذهبية والعرقية في العراق.

وقد مّثل اعتماد الذرائع الإدارية مدخلاً مناسباً لتعديل قانون اجتثاث البعث، فقد أدى هذا القانون إلى إقصاء الكوادر المؤهلة من كافة مؤسسات الدولة، وعجزت الحكومة عن إحلال إداريين أكفاء بدلاً من الذين تم إقصاؤهم، مما أحدث إرباكا في مسار عمل جميع الوزارات والمؤسسات العراقية، وأصبح من الضروري أن يعود هؤلاء المبعدون لضمان استقرار العمل الوظيفي والإداري؛ فالقوى التي ساندت الاحتلال لم تكن تملك مشروعاً قابلاً للتنفيذ، ولا رؤية مستقبلية واضحة، أو قدرة عملية على تسيير الأوضاع الإدارية والوظيفية والفنية.

وهناك من يقول إن الحكومة العراقية التي تتشدد مع عناصر البعث وتذكر مثالبهم وتجاوزاتهم السابقة، تغض الطرف عن فساد حكومي تورطت به شخصيات سياسية وحزبية وقادة ميليشيات في عملية لتقاسم الأموال وتوقيع عقود الإعمار، بحيث أضحى تحالف الأحزاب المتضادة مفهوماً كوسيلة لتوزيع المغانم، وبات العراقي البسيط يضع أمام عينيه المثل الشعبي القائل "جاء عون وذهب فرعون".

وبقي خيار الاستئصال قدراً محتوماً على العراقيين؛ فهو في الزمن السابق كان وسيلة للقضاء على المعارضين والبطش بهم، وأصبح الآن أكثر هجومية ليشمل أطيافاً واسعة من معارضين محتملين قد يشكلون تهديداً مستقبلياً، أو لأنهم من عرق وطائفة أخرى، ولعلها نوع من "الصدامية المزمنة" التي تلبست اللاعبين السياسيين وأصبح الفكاك منها غاية في الصعوبة؛ إذ ورث الساسة الجدد أساليب وطرق حزب البعث في السلوك والممارسة، لجهة اعتماد العنف في تصفية المعارضين، وارتكاب المجازر الدموية، وإهدار الثروات العامة وتبديدها، وفساد البطانة المقربة من الطبقة الحاكمة، وانتهاك حقوق وكرامة الإنسان وتخريب رزمة القيم السائدة.

ويقيناً فإن هذا القانون الجديد هو نتاج البيئة العراقية المأزومة التي عاشها البلد منذ عقود، والمشبعة بعقد الشك والتخوين والعجز عن قبول الآخر المختلف والعمل على إلغائه، بل ومأسسة هذا الخوف في محاولة للاستئثار بالسلطة، ولهذا فإنه ليس من المعروف كم من البعثيين السابقين سيختارون الاستفادة من القانون واستعادة وظائفهم القديمة، خصوصاً بعد الأحداث الدامية التي شهدها العراق خلال السنوات الماضية.

وتطالعنا انتقائية واضحة في اختيار من يطبق عليهم القانون؛ إذ يُستثنى منه كل من انتمى بشكل صوري، وفق الأسباب الموجبة للقانون، إلى صفوف الحزب المنحل، مما حدا بالكثيرين إلى التساؤل كيف سيتم معرفة الانتماء الصوري من غيره؟ وما هي المعايير المعتمدة؟ وهل ستشمل الجميع أم ستكون حكراً على جماعات دون غيرهم؟.

لا أحد حتى هذه اللحظة يعرف ما هي المعايير والأسس التي تم بموجبها تقييم البعثيين وتصنيفهم على أساسها، وما هي شروط الاستثناءات من قرار الاجتثاث، فعلى سبيل المثال كشفت أحداث قبو وزارة الداخلية عن وجود ضباط بعثيين يقومون بأعمال التعذيب لصالح السلطة الجديدة، وقد اعترف بذلك علناً وزير الداخلية السابق بيان جبر صولاغ، لكي يبرئ حزبه من تهمة التعذيب، لكنه لم يجب عن السؤال: من وظف أولئك الضباط؟ ولمصلحة أي الأطراف؟.

ويعتقد كثير من البعثيين أن القانون ليس إلا مصيدة لالتقاطهم والكشف عنهم، بقصد تصفيتهم في مراحل قادمة، متعللين بأن القانون لا يختلف عن سابقه، بل أضحى أكثر تشدداً؛ إذ نزع من يد رئيس الهيئة العليا للمساءلة والعدالة حقه في استثناء من يشاء من أعضاء البعث، ليصبح هذا الأمر مرهوناً بموافقة مجلس الوزراء.

ليس من اليسير تحريم حزب سياسي كحزب البعث العراقي، حكم لمدة تزيد على ثلاثة عقود وبلغ عدد منتسبيه ما يقارب من مليوني عضو، أي بحدود خمس عدد البالغين من العراقيين وما يقارب من نصف عدد الرجال البالغين على أقل تقدير، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اجتثاث فكر معين ما لم يتم العزوف عنه طوعياً وبإرادة عناصره، وهو ذات الخطأ الذي وقع فيه حزب البعث عندما حاول أن يلغي أحزابا عراقية تاريخية كانت لها مساهماتها الوطنية.

ما يغيب عن العراق اليوم هو وجود ثقافة وطنية جامعة، من شأنها أن تعمل على تكامل الروابط والهويات الفرعية بالرابط الكلي الوطني، مع علمنا أن المجتمع العراقي يواجه خطرين تاريخيين كبيرين؛ أولهما يتمثل في التركة الموروثة من المؤسسة الديكتاتورية على مر العهود الماضية كلها، وكان عمادها مركزية الفكر والمؤسسات واحتكار السلطة، وثانيهما هو خطر الثقافة السياسية التي أوجدها الاحتلال، والتي تقوم على تهديم البنى الاجتماعية والثقافية القائمة وإطلاق عناصر التناقض الداخلي للمكونات السياسية والاجتماعية والفكرية في المجتمع.

والمصالحة الوطنية لا تتحقق بالنوايا الطيبة أو القوانين؛ فهي عملية شاملة وليست جزئية، وتتطلب من كل طرف تقديم تنازلات مهمة، كما تتطلب إجراءات حكومية جوهرية في المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهي طوعية ويمكن أن تزدهر مع إدراك الأطراف المتنازعة أن هناك حاجة لتحقيقها ضماناً لمصالح كل طرف.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات