في 2020.. كورونا يعصف بملامح الاقتصاد العالمي والآمال معقودة على 2021

  • 18 يونيو 2020

على الرغم من تقليص الدول لإجراءات احتواء الوباء والحدِّ من سياسات الإغلاق؛ ما زالت كبرى المؤسسات الاقتصادية، وخاصة التمويلية منها، لا ترى في هذا العام إلا انكماشاً اقتصادياً يعدّ الأسوأ من نوعه منذ الحرب العالمية الثانية، فيما سيحدث النمو في العام المقبل 2021.

في تقرير نشره في 8 يونيو الجاري، بعنوان «الآفاق الاقتصادية العالمية»، قال البنك الدولي إن الصدمة السريعة والشديدة لجائحة كورونا وتدابير الإغلاق التي اتُّخذت لاحتوائها، تسببت بتهاوي الاقتصاد العالمي في غمرة انكماش حاد، إذ سيشهد في العام الجاري انكماشاً بنسبة 5.2%، وستشهد أكبر اقتصادات العالم تراجعات في متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي، ويضيف التقرير أن النشاط الاقتصادي في الدول المتقدمة سينكمش بنسبة 7%، من جراء اضطرابات في الطلب والعرض والتجارة والتمويل.
اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية، وبحسب التقرير، ستعاني انكماشاً هي الأخرى نسبته 2.5% خلال عام 2020، إذ ستتعرض الدول، صاحبة التأثر الأكبر من الجائحة، لصدمة أشد من غيرها من الدول، وخاصة تلك التي تعتمد أكثر من غيرها على التجارة أو السياحة أو صادرات السلع الأولية، والتمويل الخارجي، ويتوقع التقرير انخفاض متوسط نصيب الفرد فيها من الدخل بنسبة 3.6%، ما يتسبب في تفاقم معاناة الملايين وسقوطهم في براثن الفقر المدقع، إضافة إلى حدوث تراجع متزايد في خدمات التعليم والرعاية الصحية الأولية لديها.
هذه التوقعات القاتمة، التي قالت فيها جيلا بازارباشيوغلو، نائبة رئيس مجموعة البنك الدولي لشؤون النمو المنصف والتمويل والمؤسسات إنها «تبعث على القلق البالغ، ومن المرجح أن تُخلِّف الأزمة ندوباً طويلة الأمد، وتخلق تحديات عالمية جسيمة»، تتفق مع توقعات شبيهة أصدرتها منظمات ومؤسسات دولية أخرى في أوقات سابقة؛ فقد ذكر بنك التنمية الآسيوي، في منتصف شهر مايو الماضي أن الاقتصاد العالمي قد يخسر ما بين 5.8 و8.8 تريليون دولار، و«ستتراوح الخسائر الاقتصادية في آسيا والمحيط الهادئ من 1.7 تريليون دولار في ظل الإغلاق القصير لمدة ثلاثة أشهر، إلى 2.5 تريليون دولار في حالة الإغلاق الطويل لمدة ستة أشهر»، لتمثل هذه المنطقة ما نسبته 30% من الانخفاض العام في الناتج العالمي. أما الأمم المتحدة فقد حذرت في تقرير لها، صدر قبل تقرير بنك التنمية الآسيوي بيومين، من توقعات بانكماش الاقتصاد العالمي 3.2% في 2020، وأن يفقد الناتج الاقتصادي العالمي حوالي 8.5 تريليون دولار، نتيجة للقيود الصارمة التي فرضتها الحكومات على الأنشطة الاقتصادية في مواجهة جائحة كورونا، متوقعة حدوث التعافي العالمي تدريجياً في عام 2021، وفقداناً واسع النطاق للوظائف والدخل، وتفاقماً للفقر عالمياً، إذ سينزل نحو 34.3 مليون شخص دون خط الفقر المدقع، وأكثر من نصفهم سيكونون في الدول الإفريقية.
وبالعودة إلى توصية المؤسسات الاقتصادية المتخصصة للخروج من التداعيات المالية والاقتصادية للجائحة، ومن خلال الاطلاع على الموقع الإلكتروني لصندوق النقد الدولي، كتب توبياس أدريان وجيلا بازارباشيوغلو، تدوينة نُشِرت في 15 يونيو الجاري، تضمنت تسع توصيات مقدمة لأجهزة الرقابة المصرفية، واشترك في صياغتها «الصندوق» و«البنك» الدوليان، للحيلولة دون تحول الأزمة الصحية والاقتصادية إلى أزمة مالية؛ أبرز هذه التوصيات: تيسير القيام بتدخلات جيدة التصميم لتقديم دعم موجَّه للمقترضين من أصحاب القطاعات المتضررة، والحد من فرص الخطر المعنوي والحفاظ على الالتزام بالممارسات السليمة في إدارة مخاطر الائتمان، والحفاظ على الشفافية وتقديم إرشادات إضافية بشأن الإفصاح عن المخاطر، ومراجعة الأولويات الرقابية والحفاظ على الحوار الوثيق مع الصناعة المصرفية، وضمان عمل البنى التحتية الحيوية للأسواق بصورة سلسة، وتوصيات أخرى.
وكانت كريستالينا غورغييفا، مديرة الصندوق قد نشرت مقالاً تحليلياً في 11 يونيو تحدثت فيه عن إمكانية تأثير جائحة كورونا في عدم المساواة في توزيع الدخل، وتهديد المكاسب التنموية التي تتمثل بالحدّ من الفقر نتيجة التحصيل التعليمي، مشيرة إلى تقديرات جديدة تتعلق بوصول 100 مليون نسمة إلى هوة الفقر المدقع عالمياً، مركّزة على ثلاث أولويات يجب على صناع السياسات اتخاذها للتعافي من تلك الآثار، وهي: القيام بتحفيز مالي كبير أثناء مرحلة التعافي لتعزيز النمو والتوظيف، وتمكين الجيل القادم من خلال التعليم وزيادة الاستثمار فيه وتحسين جودته، فيما تركز الأولوية الثالثة على تسخير قوة التكنولوجيا المالية، بمعنى أن يتم التوسع في إتاحة المنتجات المالية للأسر المنخفضة الدخل ومؤسسات الأعمال الصغيرة، حتى تتقلص الفجوة الرقمية التي حدثت كواحدة من تركات الأزمة.
إن كل تلك المؤشرات المتشائمة تنبئ بضرورة اتخاذ حكومات الدول إجراءات استثنائية استجابة لتداعيات جائحة كوفيد-19، تبدأ بالتحرك أولاً لحماية الأرواح، يسير معها وبخط مستقيم اعتماد سياسات اقتصادية تحقق الاستقرار الاقتصادي للأفراد والأسر، يتبعه تركيز صناع السياسات ومتخذي القرار على تقوية المؤسسات الاقتصادية التي تخطط وتطبق سياسات مستحدثة، من خلال تنمية القدرات الفنية المعنية بصياغة ميزانيات وطنية تحقق مقداراً أعلى من العدالة للفئات الأكثر تضرراً من الجائحة، سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات، إضافة إلى اعتماد خطط تخفف من حجم ضغوط الإنفاق، يرافقها تكثيف الرقابة على الإيرادات الحكومية، ومحاسبة من يقوم بممارسات ترقى إلى الفساد المالي والإداري.
كما تتطلب مواجهة آثار الجائحة من الحكومات اعتماد سياسات نقدية متوازنة ومرنة، وتعزيز أدوات الرقابة المالية وتعزيز الأطر المؤسسية ونظم الحوكمة الرشيدة. ويحتاج صناع السياسات إلى تعزيز مهاراتهم في إدارة الدين، والتعرف على المعلومات المالية بشفافية يتم من خلالها تقييم الأزمة واحتياجات الإنفاق. كما يجب التركيز على ضمان وصول الأموال إلى الفئات الأشد تعرضاً للخطر والتهميش، وخاصة في مجالات الإنفاق الصحي ونظم الحماية الاجتماعية والتعليمية والوظيفية، وتقديم مبادرات تحفيز مالي تعود بالنفع على الأفراد، من خلال زيادة الاستثمار في الرعاية الصحية، وتقوية شبكات الأمان الاجتماعي، وتعزيز العدالة في الحصول على فرص تعليم عالي الجودة ومياه نظيفة ومرافق صحية مناسبة، إضافة إلى تعزيز مشاركة النساء في سوق العمل، للحدِّ من حجم الاختلال الذي كان موجوداً، حتى قبل انتشار الوباء.
وإن صدقت توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، القائلة إن «تعافي الاقتصاد العالمي من فيروس كورونا سيستغرق عامين على الأقل»، فإن ذلك يعني مرور فترة زمنية ليست بالهيّنة على مداخيل الأفراد واقتصادات الدول، ما يشكل خوفاً من تحول الوباء من فيروس يفتك بصحة الإنسان البدنية، إلى متسبب في إحداث أضرار جسيمة في صحته العقلية والنفسية، جرّاء تفاقم البطالة والفقر، وعدم قدرته على الحصول على فرص تعليمية وصحية ووظيفية متساوية وعادلة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات