في ظل «كورونا».. مخاوف من ازدياد معدلات البطالة والتسريح وتخفيض الأجور

  • 25 مارس 2020

ليست صحة الإنسان في هذه المرحلة الحاسمة من التاريخ، مهددة وحدها من «كورونا»؛ فهذا العدو المتربص خلف الأبواب أصبح يهدد الآن أمن الناس الاقتصادي والاجتماعي؛ نتيجة ما خلّفه وسيخلّفه على الاقتصاد العالمي من آثار سلبية، تأتي التوقعات بشأنها بحدوث مزيد من التراجع وتفاقم المخاطر.
منظمة العمل الدولية أصدرت قبل أيام بياناً قالت فيه إن العالم مهدد بفقدان ما يقرب من 25 مليون فرصة عمل، نتيجة كورونا المستجد «كوفيد-19»، موضحة أن تأثير الوباء على البطالة العالمية سيكون «أقل بشكل ملحوظ»، إذا رأينا استجابة سياسية منسقة دولياً، كما حدث في الأزمة المالية العالمية في عام 2008، التي زادت البطالة في حينها بمقدار 220 مليون شخص. وقالت المنظمة إن بين 8.8 و35 مليون شخص إضافي، سيدخلون دائرة الفقر عالمياً، مقارنة بالتقديرات الأصلية لعام 2020.
وبحسب آخر بيانات للبنك الدولي، يصل معدل البطالة العالمي إلى نحو 4.5%، وهي نسبة لا تعدّ قليلة، وذلك على الرغم من تناقصها في الأعوام الثلاثة الأخيرة؛ لتبرز في السياق مجموعة من التحديات الناجمة عن لجوء بعض المؤسسات إلى تسريح موظفيها أو تخفيض أجورهم، وذلك في ظل انتشار الوباء، وتوجّه حكومات العالم نحو تكثيف إجراءاتها الاحترازية التي تحدّ من التنقل والحركة وممارسة الأعمال، على الرغم من أهمية هذه الإجراءات في حفظ أرواح الناس والمقدرات والممتلكات.
وبالعودة إلى بيان منظمة العمل الدولية، فقد حذرت من أن يسبّب «كورونا» حدوث ارتفاع في معدلات البطالة المقنعة كذلك، أولئك الذين يعملون لكنهم حصلوا على أولوية في تخفيض ساعات العمل وفي الأجور. كما لفت التقرير النظر إلى أن تراجع التوظيف سيتسبب في خسائر كبيرة في دخل العاملين، قدّرها بين 860 مليار دولار أمريكي و3.4 تريليون دولار مع نهاية العام الجاري؛ ما يتسبب في انخفاض استهلاك السلع والخدمات، ويؤثر بدوره في مستقبل قطاعات الأعمال وعلى الاقتصادات الوطنية للدول، وسيترك «أثراً مدمراً على العمال الذين يعيشون على خط الفقر أو تحته». ولأن قطاعات بعينها كانت أكثر تضرراً جرّاء «كورونا»؛ منها السياحة والفنادق والمطاعم والمقاهي، وأبرزها النقل، فقد لجأت شركات طيران في دول عدة إلى استخدام سياستَي تسريح الموظفين أو تخفيض رواتبهم، فمع تعليق مجموعات عدة من شركات الطيران رحلاتها، حذرت الجمعية الدولية للنقل الجوي (إياتا) في 5 مارس الجاري بأن «كورونا» قد يكلف قطاع النقل الجوي أكثر من 100 مليار دولار.
وحث الرئيس التنفيذي للخطوط الجوية النرويجية، الحكومات على التحرك لضمان قدرة صناعة الطيران على حماية الوظائف، باعتبارها جزءاً حيوياً من الانتعاش الاقتصادي العالمي، حيث جاء ذلك بعد إعلان شركة الخطوط الجوية النرويجية، مؤخراً، تسريحاً مؤقتاً لـ 50% تقريباً من موظفيها، وذلك عقب القرار الأمريكي بحظر السفر إلى أوروبا، باستثناء بريطانيا، على خلفية انتشار الفيروس، معلّلة قرارها بانخفاض عدد العملاء بشكل كبير؛ ما أوجب إعادة النظر في تدابير خفض التكاليف، وخاصة في ظل إعلانها إيقاف 40% من أسطولها للرحلات الطويلة، وإلغاء ما يصل إلى 25% من الرحلات القصيرة المدى حتى نهاية مايو المقبل.
وبحسب وكالة «بلومبيرغ»، فإن شركة الخطوط الجوية الكينية «كينيا إيروايز» تعتزم خفض رواتب المديرين التنفيذيين والموظفين، بنسب تتراوح بين 75% و80%، ابتداءً من شهر إبريل المقبل؛ في ظل تراجع الإيرادات على خلفية «كورونا».
العاملون في قطاع الرياضة لم يسلموا، كذلك، من تداعيات «كورونا»، فقد أشار تقرير لـ (CNN) عربية إلى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، بصدد دراسة جملة من المقترحات، لمساعدة الأندية على تجاوز تأثيرات «كورونا»، التي تسببت بتعليق نشاط أغلب الدوريات، في مقدمة تلك المقترحات أن يمنح اللاعبون من 40% – 50% من رواتبهم للأندية، من أجل خلق توازن مالي فيها. كما يقول التقرير إن الأندية الإيطالية، تدرس تخفيض 30% في رواتب اللاعبين، فيما اقترحت أندية أخرى عدم دفع رواتب شهر مارس. وبحسب دراسة لشركة «كاي بي إم جي»، تواجه أندية البطولات الخمس (إنجلترا، وإسبانيا، وإيطاليا، وألمانيا، وفرنسا)، خسائر تتراوح ما بين 3,54 و4 مليارات يورو، من حقوق البث التلفزيوني والعائدات التجارية والتسويقية، في حال لم تتمكن من خوض المباريات المقررة حتى نهاية الموسم.
هذه المخاوف تجعل المتأمل للوضع الاقتصادي العام يدرك المخاطر التي سيخلّفها «كورونا» على اقتصادات الأفراد والمجتمعات والدول، فأصحاب المصالح الصغيرة، ونتيجة سياسات الإغلاق والحظر، لا بد أنهم سيتضررون من ذلك؛ الأمر الذي ينعكس بالمقابل على العمالة، ويهددها بفقدان الوظائف وفقدان مصدر دخلها الوحيد؛ فتقرير «العمل الدولية» أشار بدوره إلى أن القيود التي فرضتها حكومات دول عدة على حركة الناس والسلع، ستؤثر في التوظيف الذاتي، الذي أثبت فاعليته في البلدان النامية، ومن هذا المنطلق توصي المنظمة بضرورة اتخاذ تدابير تتضمن توسيع الحماية الاجتماعية، ودعم الحكومات للمؤسسات حتى يتم إبقاء العاملين في وظائفهم، وتقديم الإعفاءات المالية والضريبية للمؤسسات، بما فيها المنشآت الصغيرة جداً والصغيرة والمتوسطة، واتخاذ تدابير على صعيد السياسة المالية والنقدية، وتقديم تسهيلات تتعلق بالإقراض والدعم المالي لقطاعات اقتصادية محددة.
أما الجانب الإيجابي الذي طرأ على المشهد الأوروبي في ظل تفشي «كورونا» فقد تمثّل في تعهّد الحكومة الدنماركية للشركات المتأثرة، بدفع ما نسبته 75% من رواتب الموظفين حتى 9 يونيو المقبل، في حال تعهدت الشركات بعدم تقليص عدد موظفيها، في مشهد ينبئ بتوجهات الدنمارك وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية، التي ترى ضرورة أن تتدخل الحكومة في حماية مصالح الأفراد والشركات على حدٍّ سواء.
إن المشكلة الحقيقية تكمن في أن العديد من دول العالم ليس لديها مؤسسات تقدم مخصصات البطالة لمواطنيها، أو توفر للأفراد الذين فقدوا وظائفهم مصدر دخل يحفظ كرامتهم ويمنحهم مستويات معيشية مستقرة، ليكون الأثر الأكبر للجوء المؤسسات إلى تسريح موظفيها أو تخفيض رواتبهم، في ظل ما يشهده العالم من ارتفاع لمعدلات أسعار السلع والخدمات، على أولئك المسرَّحين الذين لا يملكون حقوق المواطنة، كالتأمينات المعيشية وأنظمة الرعاية الاجتماعية. والقصة لا تنتهي هنا؛ فغالباً ما يكون هؤلاء مرتبطين بقروض بنكية، يتسبب فقدانهم وظائفهم بعجزهم عن دفع الاستحقاقات المطلوبة منهم؛ الأمر الذي يؤثر سلبياً بدوره في البنوك التي ستفقد هي أيضاً قدرتها على تحصيل أموالها من المدينين؛ ما قد يعرضها على المدى البعيد إلى الإفلاس.
فطالما تشهد دول العالم أثناء الأزمات، على اختلافها، تراجعاً في اقتصادها الكلّي، وخاصة في القطاعات التشغيلية، التي تجعل المؤسسات، صغيرة كانت أو كبيرة، تتخلى عن جزء من عَمالتها، أو تلجأ إلى تخفيض أجورهم، أو تجبرهم على إجازات غير مدفوعة؛ الأمر الذي يتنافى كليّاً مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأفراد، ويتسبّب في تفاقم مشكلتَي الفقر والبطالة، ويقلل من قدرة المستهلكين الشرائية، ويأخذ الاقتصاد في نهاية المطاف نحو حالة من الركود والكساد.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات