في زمن كورونا.. الغلبة لمصلحة العمال أم لأصحاب العمل؟

  • 11 أبريل 2020

التقارير الأخيرة الصادرة عن منظمات إنسانية دولية، التي تشير إلى خسارة ملايين العمال وظائفهم وتفاقم معدلات الفقر العالمية، تنبئ بالعديد من المخاطر التي باتت تحدق بمصير الإنسان، الحلقة الأضعف في وجه انتشار «كورونا» صحياً واقتصادياً واجتماعياً.
في ظل ما أشارت إليه اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا)، مؤخراً، في أن 8.3 مليون شخص سيدخلون دائرة الفقر في المنطقة العربية نتيجة تفشي فيروس كورونا المستجد، وتوقعات بأن تفقد المنطقة حوالي 1.7 مليون وظيفة على الأقل، تتبادر إلى الذهن مجموعة من التساؤلات التي تتعلق بمدى كفاية الدعم الاقتصادي المقدم للفئات العمالية التي فقدت وظائفها، وجدوى حزم الدعم الاقتصادي التي قدمتها العديد من الدول لقطاعات الأعمال، في حماية حقوق هذه الفئات.
يقول العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الصادر بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1966، إنه ووفقاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، «يكون البشر أحراراً ومتحررين من الخوف والفاقة». وفي المادتين (6 و7) منه، ورد أن على الدول القيام باتخاذ تدابير مناسبة لصون الحق في العمل، من خلال الأخذ بسياسات من شأنها تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية مطردة، والتمتع بشروط عمل عادلة ومرضية تكفل أجراً منصفاً، وعيشاً كريماً لهم ولأسرهم والإجازات الدورية المدفوعة الأجر. كما تتحدث المادة (11) عن حق كل شخص في مستوى معيشي كافٍ له ولأسرته، وحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية.
لقد تسبب انتشار (كوفيد – 19) وما خلّفه من إجراءات تلزم بالحجر المنزلي والعمل عن بعد وغيرها، بتعطّل الأعمال في قطاعات اقتصادية عدة، ما خلق أمام الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية في الدول عقدتين: الأولى تتعلق بمصالح أصحاب العمل وتقديم حزم اقتصادية لدعم منشآتهم، وهو ما عملت عليه العديد من الدول، ذات الاقتصادات القوية. والثانية تتعلق بتهديد العاملين في القطاع الخاص، بالتسريح أو تأخير أجورهم أو تقليصها. فالاعتراف بهاتين المعضلتين، يستدعي البحث في ضرورة أساسها الإنسان، وتحديداً أولئك المنتمين إلى الفئة العمالية؛ ففي هذا الصعيد تظهر مجموعة من الإجراءات لحمايتهم من الفاقة والجوع؛ ومن التعرض لأي انتهاك وإهدار لحقوقهم والتغول عليها.
من هنا يجب اتخاذ وقفة جادة لتقدير الموقف ومحاسبة المؤسسات التي تسرّح عمالها في وقت الأزمات، لحماية الانسان كقيمة ونوع ورأس مال اجتماعي منتج، وصاحب كرامة. ومن المهم أن تضمن المؤسسة التي تسرّح عمالها «مضطرة»، تعويض العامل عن خسارته لعمله وأجره، يتناسب طردياً مع حجم الضرر الواقع عليه، فالأصل هو تجسيد الإدارة الرشيدة وتطبيق مبادئ الحوكمة الخاصة بعلاقات العمل والحقوق؛ ففي أزمة كورونا فإن صغار العمال، وهم أقل الفئات أجراً، سيكونون أكثر المتأثرين اقتصادياً، ما يستدعي من الحكومات اتخاذ تدابير حماية اجتماعية، تمنحهم مرتبات خلال هذه الظروف؛ فالحكومة الإسبانية مثلاً تخطط لتقديم مرتبات ثابتة للعمال المتضررين من «كورونا». فيما قررت الحكومة البريطانية تحمّل 80% من رواتب العمال غير القادرين على الذهاب إلى أعمالهم.
وتظهر في هذه الأثناء ضرورة تعزيز المسؤولية المشتركة والتضامن العالمي، فبالإضافة إلى مسؤولية الدول الغنية في تقديم معونات لنظيراتها الفقيرة، توجه لدعم الفئات المتضررة من «كورونا» فإن هناك مسؤولية على الأسر ورجال الأعمال المقتدرين في مساعدة بلدانهم على تحمل هذا العبء عبر تقديم التبرعات، إضافة إلى «تصميم استجابات حكومية «توفر التأمين ضد البطالة والحماية الاجتماعية مع دعم الشركات لمنع حالات الإفلاس وفقدان الوظائف» كما قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش.
إن العمل هو الكرامة، والفكرة التي تقول بـ«إعلان ميثاق حقوق عمالي صالح لكل زمان ومكان» لم تعد سهلة التطبيق، فالدول الآن وشعوبها تعيش في ظرف يتعذر الدفاع فيه عن مصالح العامل، لذا من الضروري توفير الحد الأدنى من سبل العيش للجميع بما يضمن كفاءة القضاء على الفقر، وإقرار نظام شامل للضمان الاجتماعي، يغطي حالة تعطل الأعمال بسبب الأوبئة، وتقديم إعانات مالية، تحمي الفئات الأكثر تعرضاً للفقر، وتؤصل لمستوى معيشي لائق؛ يتحقق بتعزيز الحق في الغذاء الكافي والمياه والسكن الملائم والضمان الاجتماعي والعمل وغيرها.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات