في الذكرى الخامسة لرحيل زايد: الإمارات على خطى المؤسس

في الذكرى الخامسة لرحيل زايد: الإمارات على خطى المؤسس

  • 2 نوفمبر 2009

تحل هذه الأيام الذكرى الخامسة لرحيل المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة وباني نهضتها الحديثة. وبقدر ما تحمله هذه الذكرى من أسى وألم على فقدان هذا القائد الاستثنائي في تاريخ الإمارات والمنطقة، بقدر ما تمثل مناسبة للتمعن في إنجازاته العظيمة التي مازالت تقف شاهداً على ما كان يتمتع به من بعد نظر ورؤية ثاقبة، وإخلاص في العمل الوطني، وقدرة على بناء دولة عصرية حديثة، استطاعت أن تشق طريقها سريعاً بين الأمم المتحضرة.

فعلى المستوى الداخلي، لعب الراحل الكبير الدور الرئيس في بلورة فكرة الاتحاد بين إمارات الدولة، والتي أصبحت واقعاً ملموساً في الثاني من ديسمبر/كانون الأول عام 1971 بعد الإعلان رسمياً عن تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة كدولة اتحادية، استطاعت أن تواجه كل المصاعب والتحديات، وأن ترسخ أركانها وتأخذ مكانها المتميز في تاريخ المنطقة بوصفها أنجح تجربة وحدوية عربية في العصر الحديث. ولم يكن قيام هذا الاتحاد ممكناً لولا وجود هذه الزعامة التاريخية، التي تحملت عبء قيادة الاتحاد في ظروف صعبة، وآمنت به وعملت من أجله بكل قوة، وكان لديها قدرة فريدة على الجمع والتوفيق بين مختلف الأطراف بما توفر لها من احترام في المنطقة ومصداقية لدى حكام الإمارات المختلفة.

وكان المغفور له، الشيخ زايد، حريصاً كل الحرص على نسج خيوط الثقة والتفاعل البنـّاء مع كافة المواطنين، مكرساً حالة خاصة من الانسجام الداخلي والتماسك والتلاحم الوطني النادر بين القادة والشعوب، مثلت، ولا تزال، قاعدة الاستقرار والأمن في دولة الإمارات. وانعكس هذا الحرص بصورة واضحة في الاهتمام الذي كان يوليه الشيخ زايد، رحمه الله، لبناء الإنسان الإماراتي وتنمية شخصيته وتعزيز قدراته وإمكانياته ليكون شريكاً فاعلاً في عملية التنمية الشاملة، انطلاقاً من قناعة مؤداها أن المواطن هو هدف التنمية وأداتها ومحور كل تقدم حقيقي. ومن هنا كان الاهتمام الملحوظ بقطاعات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، ذلك الاهتمام الذي جعل الدولة تشهد تطورات قل مثيلها في مجال التنمية البشرية؛ حيث أصبحت تصنف ضمن مجموعة الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة، متقدمة في ذلك على دول عديدة تصنف ضمن نطاق الدول المتقدمة.

اقتصادياً، نجح الشيخ زايد، رحمه الله، في توظيف عائدات النفط في بناء اقتصاد قوي ومتماسك وضع الإمارات في مصاف الدول القوية اقتصادياً في المنطقة؛ حيث أصبحت الدولة تحتل المركز الثاني بين دول مجلس التعاون الخليجي، بعد السعودية، من حيث حجم الاقتصاد، والمركز الثالث في منطقة الشرق الأوسط ككل، بعد السعودية وإيران، كما أصبحت تمثل، بحسب كثير من التقارير الدولية المسؤولة، أهم مركز مالي واقتصادي في المنطقة. وقد انعكس هذا الأمر على مستوى معيشة المواطنين؛ حيت وصلت الإمارات إلى المركز السابع عالمياً في متوسط الدخل الفردي، متقدمة على كثير من دول العالم المتقدمة.

وعلى المستوى الخارجي، وضع المغفور له، الشيخ زايد، أسس سياسة خارجية متميزة تتسم بالحكمة والاعتدال، والتوازن، ومناصرة الحق والعدالة، وتغليب لغة الحوار والتفاهم في معالجة كافة القضايا، واحترام المواثيق الدولية وقواعد حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وقد أكسبت هذه السياسة المتوازنة دولة الإمارات احتراماً واسعاً على المستويين الإقليمي والدولي.

وفي سياق هذه السياسة المتوازنة والحكيمة، أعطى الشيخ زايد، رحمه الله، أولوية واضحة لمنطقة الخليج؛ حيث لعب دوراً مهماً في تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وعمل على تعزيز علاقات التعاون بين الإمارات وباقي دول المجلس، انطلاقاً مما يربط هذه الدول من قيم وتاريخ ومصالح مشتركة تضعها في قارب واحد في مواجهة التحديات التي تتعرض لها المنطقة، كما أعطى اهتماماً خاصاً بقضايا العالم العربي الذي تستمد منه دولة الإمارات هويتها وخصوصيتها الحضارية، وتجلى ذلك في أكثر من صعيد، من تقديم المساعدات المالية إلى الدعم السياسي إلى طرح المبادرات البناءة لمواجهة الأزمات العربية، ومن ذلك المبادرة التي طرحها، رحمه الله، لتجنيب العراق ويلات الحرب التي مازال يعاني من تبعاتها حتى اليوم. وكان رحمه الله فاعلاً في معالجة كثير من القضايا والمشكلات العربية لما عرف عنه من حكمة ورجاحة عقل، حتى لقب بحكيم العرب.

وكان البعد الإنساني هو أهم ما يميز السياسة الخارجية التي أرسى دعائمها المغفور له الشيخ زايد، وتجسد ذلك بتقديم العديد من المساعدات الإنمائية للدول النامية والفقيرة، إيماناً من الدولة بضرورة مد يد العون لتلك الدول لمساعدتها في تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية فيها ومتطلباتهما، وقد أنشأت الدولة لهذه الغاية "صندوق أبوظبي للتنمية" الذي تأسس بموجب القانون رقم 3 لسنة 1971 كمؤسسة وطنية ذات كيان مستقل تابع لحكومة أبوظبي، بهدف تقديم المعونة الاقتصادية إلى الدول العربية والأفريقية والآسيوية وغيرها من الدول لدعم تنميتها الاقتصادية، وذلك في شكل قروض أو مشاركة في رأس مال المشاريع. كما كانت الدولة، ومازالت، سباقة في تقديم يد العون والمساعدة إلى الدول المتضررة من الكوارث والأزمات، سواء بشكل مباشر، أو من خلال هيئة الهلال الأحمر الإماراتية، التي نفذت منذ إنشائها في عام 1983 العديد من البرامج الخيرية وعمليات الإغاثة الإنسانية العاجلة للمتضررين والمنكوبين والمحتاجين في مختلف دول العالم.

إن ما أرساه الشيخ زايد من قيم وإنجازات ساهمت بالارتقاء بوطنه وأمته أكبر من أن تحصى، فلا يختلف اثنان على أن ما وصلت إليه دولة الإمارات من إنجازات وتقدم إنما هو من غرس زايد الخير، الذي بذل كل جهده للارتقاء بوطنه وأمته. وما يخفف من وطأة فقدان هذا القائد الاستثنائي أن أبناءه الذين حملوا المسؤولية من بعده ضربوا مثالاً رائعاً في السير على خطى المؤسس واستكمال مسيرته، محققين مزيداً من الإنجازات التي أثبتت أنهم خير خلف لخير سلف. وقد عبر الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، عن حرص أبناء زايد وإصرارهم على المضي قدماً في ذات النهج قائلاً: " إن أبناء زايد، وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، عاهدوا الله والوطن أن يمضوا على النهج القويم الذي وضعه القائد المؤسس، وأن يمضوا بهذا الوطن المبارك والشعب الوفي إلى أفضل مراتب التطور والتقدم" ويكفي هذا العهد لنؤكد أن الإمارات تسير على النهج الصحيح في طريق التقدم والرقي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات