"فيينا – 2" خريطة بتعرجات كثيرة

بشارة نصار شربل: "فيينا – 2" خريطة بتعرجات كثيرة

  • 28 نوفمبر 2015

ليس أدل من تأثير المفاجآت والتطورات على مساعي حلول بطيئة للأزمة السورية المملوءة بالتجاذبات الدولية والعقد الإقليمية، إلا ما رشح عن لقاء الرئيس فرانسوا هولاند مع زعيم المعارضة "الجمهورية" الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، غداة مجزرة باريس في 13 نوفمبر. فساركوزي نصح بأن تتعاون فرنسا مع الرئيس فلاديمير بوتين وتعتمد عليه في قتال "داعش" على الأرض السورية.

هكذا فُرض "الوحش" الذي أُطلق من سجون الأسد والمالكي وتحول فيما بعد إلى ديناصور ألغى الحدود بين سوريا والعراق واتخذ الموصل مقراً لـ"الخلافة"، والرقة مركز قيادة- بنداً رئيسياً في اجتماعات "فيينا – 1" ثم "فيينا – 2" محققاً رغبات النظام السوري وداعميه، وتكرست "محاربة الإرهاب" أولوية تسبق كل أولويات حل الأزمة السورية، وتتحكم في موازين القوى على طاولة فيينا.
بين "جنيف – 2" المنعقد قبل سنتين وفيينا اليوم، تغيرات جوهرية، بطلاها "الخليفة البغدادي" و"فلاديمير بوتين"، وكأن ما خطط له النظام السوري من عسكرة للثورة بعد أشهر قليلة من اندلاعها واكتشافه عجزه عن مواجهة سلمية الاحتجاجات، وصل إلى ذروته. فها نحن أمام مشهد يحاول تغييب القوى الديمقراطية التي أطلقت ربيع دمشق، ويخيِّر العالم بين الدماء في شوارع عواصم الأنوار، أو القبول بالاستبداد طرفاً في مواجهة الإجرام الداعشي.

ليس "فيينا – 2" اتفاقاً نهائياً. لكنه حتماً، ضمن المعطيات الحالية، إطار جديد ومتين، تَرْجم سياسياً الدعم الإيراني العسكري لنظام الأسد والتدخل الروسي المباشر اللذين نجحا في وقف انهيار جبهات النظام. فإيران صارت حاضرة على طاولة المفاوضات بعدما كانت مرفوضة في جنيف، ومجلس الأمن سيرعى إعلان وقف لإطلاق النار. في مقابل أن ما حلم به النظام السوري من تدمير للعملية السياسية وإلغاء فكرة "الحكومة الانتقالية المكتملة الصلاحيات" لا يزال كابوساً؛ نظراً إلى أن "الانتقال السياسي" الذي حدده مؤتمر "فيينا – 2" يتضمن مشاركة المعارضة في حكومة تتشكل خلال ستة أشهر؛ أي في النصف الأول من العام المقبل وتهيئ لانتخابات تجري بعد 18 شهراً.

يترجم "فيينا – 2" موازين القوى العسكرية والسياسية الحالية. فتنظيم "داعش" يزيد إرهابه ويبرز، وبوتين مستمر في قصفه للمعارضة بكل أطيافها، وإيران وأتباعها من ميليشيات لبنانية وإيرانية وأفغانية موجودة بقوة على الجبهات، في مقابل تصميم لدى كل الفصائل المقاتلة لدى المعارضة على الثبات واستيعاب الهجمة الروسية بالتوازي مع دعم عسكري ولوجستي سعودي وتركي برهن على فاعليته بواسطة صواريخ "تاو"، وتمسك سياسي من أصدقاء سوريا، خصوصاً الرياض، بثوابت "جنيف"، وجوهرها رحيل الأسد لفتح الباب أمام الحل السياسي الجدي.

لم يحل "فيينا – 2" عقدة رحيل الأسد، وترك هذه النقطة غامضة مثلها مثل شكل الحكم الانتقالي، ومثل كيفية تطبيق وقف لإطلاق النار. بعض الوضوح الذي لا تراجع عنه، الذي لا يصب في مصلحة الأسد، تمثّل في تأكيد وضع دستور جديد لسوريا، وهو عملياً تراجع للأسد الذي كان يصر على فكرة تعديلات دستورية تُبقي نظامه. وكذلك مشاركة سوريي الشتات في الانتخابات.
لائحة القوى المعارضة المطلوب ضربها ليست غامضة، إنها تتضمن عملياً "داعش" و"النصرة"، ولو أن موسكو تركز قصفها في أحيان كثيرة على فصائل الجيش الحر. فهذه المسألة ستحددها في النهاية الدول الداعمة للثورة، وخصوصاً المملكة العربية السعودية، التي أُوكلت إليها مهمة جمع المعارضة وإقناعها بالانخراط في الحل.

بديهي أن يشكل "فيينا – 2" تقدماً على ما سبق من مؤتمرات وجهود. فقد وسّع المشاركين في البحث عن حل، وأشرك إيران صاحبة الدور الأساسي، وعبَّر عن موازين القوى السياسية والعسكرية الحالية. لكن هذا لا يعني أن باب الحل بات مفتوحاً، فكل اتفاق يعبر عن ظروفه، والفرق يكمن في نية الفرقاء في تنفيذ ما اتفقوا عليه أو الاستمرار في الصراع لتعديل الاتفاقات وجعل تفسيرها ملائماً لوقائع جديدة.
لا يدفع اتفاق "فيينا -2" إلى التشاؤم أو التفاؤل، بل إلى الحذر الشديد. وهو حتماً غير مُرضٍٍ لطرفي النزاع الرئيسيين؛ أي النظام والمعارضة. فالأول يرفض المشاركة بحكم تكوينه. والثاني يرفض أن تضيع دماء السوريين في لعبة تسويات. لكن اللاعبَيْن المحليَّيْن باتا أضعف اللاعبين، وباتت الإرادة الدولية قادرة على فرض الحل أو فرطه أو إيصاله إلى نقطة تعادل.

للتذكير، فإن الحرب الأهلية – الإقليمية التي اندلعت في لبنان عام 1975 شهدت عشرات الاتفاقات والمؤتمرات داخل لبنان وفي دمشق وفي لوزان وغيرها. كلها تعرضت للنقض الميداني إلى حين انعقاد مؤتمر الطائف في المملكة العربية السعودية عام 1989. هناك وُضع حل متكامل وتفصيلي فوض قوة ردع عربية من 35 ألف جندي وبمباركة الجامعة العربية والأمم المتحدة في تطبيق الاتفاق. ماذا جرى؟ دخلت القوة ففرضت الأمن. وما إن مضت أشهر قليلة حتى تحولت إلى قوة سورية محضة، وبدل أن يتم تطبيق "الطائف العربي الدولي" في لبنان قامت دمشق بفرض "طائف سوري" على اللبنانيين لمدة ثلاثين عاماً، والتتمة معروفة.
"فيينا – 2" ليس اتفاقاً محدداً بآليات واضحة وتفصيلية، إنه خريطة طريق متعرجة، فيها مسالك ودروب ومنحنيات. وفي الفترة التي تسبق البدء الفعلي للسير فيه سيحاول النظام وروسيا وإيران تغيير وقائع ميدانية مثلما ستحاول المعارضة منع هذه التغييرات وربما تحقيق اختراقات.
هذه التغييرات، إذا حدثت، قد تقرب الحل أو تؤخره. أما حال الستاتيكو (الجمود) فستقربه إذا شعر الطرفان بالإنهاك. هكذا يأتي "فيينا – 2" في إطار مسار طويل ستجري فيه أحداث كثيرة وسيبنى دائماً على الشيء مقتضاه.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات