"فينوغراد لبنان" انتصار على خلفية انقسام وانقسام على خلفية انتصار

د. بشارة نصار شربل: "فينوغراد لبنان" انتصار على خلفية انقسام وانقسام على خلفية انتصار

  • 7 فبراير 2008

لم يكن صدور تقرير "فينوغراد" إلا مناسبة لـ "حزب الله" في لبنان ليؤكد انتصاره في حرب تموز/يوليو 2006. فالحزب الذي يرفع علمه مزيناً ببندقية وبعبارة "المقاومة الإسلامية في لبنان" أعلن الانتصار قبل نهاية حرب الـ 33 يوماً والتي خاضها، حسبما جاء على لسان أمينه العام في رسائله التلفزيونية إبان الحرب، باسم الأمة جمعاء، هذا الحزب رأى أن إسرائيل هزمت بمجرد أنها فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة وهي القضاء على المقاومة وتغيير المعادلة القائمة في الداخل اللبناني وعلى الحدود. وأتى تصريح الآنسة كوندوليزا رايس أثناء عمل آلة الحرب والتدمير الإسرائيلية عن "ولادة شرق أوسط جديد" ليزيد الحزب زهواً بالانتصار ويعطيه بعداً أوسع من مجرد إفشال أهداف إسرائيل.

كلفت الحرب أكثر من 1200 قتيل لبناني وتدمير مناطق وبنى تحتية تقدر كلفتها بـ 12 مليار دولار وخسائر غير مباشرة تقدر بمبلغ مماثل إضافة إلى فقدان لبنانيين كثيرين ثقتهم بمستقبل آمن وسلوكهم طريق الهجرة النهائية من لبنان. رغم كل ذلك تطرح أسئلة مشروعة عما استخلصه لبنان من نتائج الحرب في مقابل ما استخلصته إسرائيل. فهل الانتصارات التي حققها لبنان تستحق التضحيات التي دفعها؟ وهل صبت الحرب التي خاضها "حزب الله" في مصلحة البلاد العليا وانعكست مناعة للدولة اللبنانية؟ وهناك سؤال بديهي أهم: لماذا لم تنشأ "لجنة فينوغراد" لبنانية تحقق في الأسباب والنجاحات والإخفاقات والمسؤوليات؟

لنعد إلى الأيام القليلة التي سبقت حرب تموز/يوليو. فقد كان لبنان يعيش في ظل حكومة وحدة وطنية، هي أول حكومة في عهد الاستقلال الثاني، وهي انبثقت من انتخابات نيابية أتت بأكثرية لقوى "14 آذار"، الأمر الذي لم يحل دون تشكيل حكومة يشارك فيها "حزب الله" و"أمل"  القوتان الشيعيتان الأساسيتان. وفي موازاة تلك الحكومة حصلت "طاولة الحوار" التي توافقت فيها جميع الأطراف السياسية على ثوابت وطنية مهمة بشأن العلاقات مع سورية والمحكمة الدولية والسلاح الفلسطيني، ولم يبق إلا الموضوع الأصعب وهو استراتيجية الدفاع لوضع سلاح المقاومة في إطار شرعي ترعاه الدولة وليعمل باسم كل لبنان. في تلك اللحظات قام "حزب الله" بعملية خطف الجنود الإسرائيليين مخترقاً "الخط الأزرق" في جنوب لبنان فبدأت الحرب.

ومنذ اليوم الأول للحرب كان الانقسام اللبناني إزاءها واضحاً. وليست هناك حاجة لاتهامات "حزب الله" للحكومة ووزرائها بالتواطؤ مع الأمريكيين والإسرائيليين. فهؤلاء كانوا معارضين للحرب وكانوا يعتبرون أن "حزب الله" أخذ قرار المواجهة بحسابات أحادية وسورية-إيرانية غير مكترث لإرادة الدولة اللبنانية ومصالحها، وغير آبه لشركائه في الوطن ولما يرونه في شأن النزاع مع إسرائيل وآلياته وأدواته.

هذا القرار المنفرد قسم اللبنانيين إزاء "عدوان تموز" بشكل كامل. فهم توحدوا في الموقف الإنساني الرافض آلة التدمير الإسرائيلية وانقسموا حول الموقف السياسي في شأن مبررات الحرب وحق "حزب الله" في التصرف كأنه دولة مستقلة داخل الدولة اللبنانية.

وإذ لم يلبث "حزب الله" أن انسحب من الحكومة على خلفية إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي وتحت شعار المشاركة الحقيقية، بدا واضحاً أن نتائج "حرب تموز" لا يمكن قراءتها في شكل موحد. فالحزب يرأس معارضة شرسة ضد الحكومة وهو يمثل قوى "8 آذار" المتحالفة مع دمشق وطهران، في حين أن الحكومة هي عنوان قوى "14 آذار" التي تمثل الأكثرية النيابية من جهة لكنها تتمتع بدعم المجتمع الدولي وواشنطن وقوى الاعتدال العربي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية من جهة أخرى.

من الاعتصام المستمر في وسط بيروت وعلى أبواب مبنى السراي الحكومي وعلى مرمى أقل من حجر من إقامة فؤاد السنيورة انطلق اتهام "حزب الله" وحلفائه للحكومة ورئيسها بالتواطؤ مع إسرائيل في "حرب تموز". لم يكن ذلك الاتهام موجوداً يوم كانت الحرب مشتعلة، بل إن رئيس مجلس النواب نبيه بري وهو أيضاً رئيس حركة "أمل" المستتبعة لحزب الله وصف حكومة السنيورة بأنها "حكومة المقاومة السياسية" وحيا جهودها للتوصل إلى وقف لإطلاق النار ووافق مع حليفه "حزب الله" على "النقاط السبع" التي أسست للقرار 1701.

من "حكومة المقاومة" إلى "حكومة العملاء" ومن حزب المقاومة إلى "ميليشيا الخارجين على القانون" هكذا حصل الانقسام. فكيف للجنة تحقيق في "حرب تموز" أن تتشكل وكيف يمكن تحديد المسؤوليات؟

واقع الأمر أن "حرب تموز" تمت على خلفية انقسام أهلي عميق وليس على خلفية توافق حقيقي. والانقسام الأهلي في لبنان أعمق من أن تردمه حرب مع الخارج أو انتصار يتحقق ضد إسرائيل. وهو انقسام يأخذ طابعاً طائفياً ومذهبياً. ولا شك أن "حزب الله" دفع في "حرب تموز" ثمن موقفه في 14 شباط/فبراير 2005 حين تم اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ففي حين وجه آل الحريري ومعظم السنة في لبنان والقوى المسيحية والدرزية الرئيسية سهام الاتهام نحو سورية طالبين منها الانسحاب فوراً ومطالبين بمحكمة دولية، قاد "حزب الله" تظاهرة بعد ثلاثة أسابيع من تاريخه أي في "8 آذار" كان عنوانها "شكراً سورية". ولم يتردد الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله في تقديم "بندقية المقاومة" هدية رمزية لقائد جهاز الاستخبارات السورية في لبنان في ذلك الوقت رستم غزالة الذي كان على رأس قائمة الاتهام.

لم يشارك "حزب الله" ومعه الأكثرية الشيعية في لحظة تاريخية استثنائية تبعت اغتيال الحريري. وهو قرار لا يحسب في التكتيك السياسي بل هو قرار تاريخي أيضاً بدأت معه مرحلة خطيرة من تفكك النسيج الاجتماعي اللبناني وافتراق الحسابات على دور لبنان وموقع لبنان.

"حرب تموز" دفعت الإسرائيليين إلى لجنة "فينوغراد" واستخلاص العبر لمزيد من الاستعداد وتجنب الأخطاء ولضمان فرص أكبر للربح في المستقبل ولرفع مستوى التدريب والكفاءة في الإدارة السياسية والعسكرية. في حين أن "حزب الله" رغم إعلانه جهوزيته لمواجهة جديدة مع إسرائيل صار طرفاً داخلياً منتشراً في وسط بيروت وفي شوارعها ووراء متظاهريها، بل إن أمينه العام اعتبر المعركة ضد قوى "14 آذار" تتمة للمعركة ضد إسرائيل حين أعلن لجمهوره: "كما وعدتكم بالنصر (في حرب تموز) فإنني أعدكم بالنصر الآن (ضد الحكومة والأكثرية)" فكيف يتساوى الإسرائيلي بالشريك اللبناني؟ وكيف يمكن للبناني المعارض لحزب الله أن ينظر إلى هذه المقاومة التي تحولت طرفاً يخوض حرباً داخلية هدفها الانتصار؟

تعلمت إسرائيل من حربها ضد "حزب الله"، خرجت مهزومة لكنها صارت أكثر وعياً. أما لبنان فخرج منتصراً لكنه أكثر انقساماً. دولة إسرائيل تعيد تمتين ركيزتها التي هي المؤسسة العسكرية، ودولة لبنان تتشظى وتعاني الوهن. مجتمع إسرائيل يناقش في استقالة رئيس الحكومة أو في انتخابات مبكرة لتجديد الحياة السياسية، في حين أن المجتمع اللبناني يقف مشلولاً أمام إقفال المجلس النيابي وشل الحكومة وتدمير الاقتصاد ومنع انتخاب رئيس للجمهورية والتهديد بفرط المؤسسة العسكرية وأمام احتمالات جدية لتجدد الحرب الأهلية.

لا يكفي الانتصار على الخارج للهروب من استحقاقات الداخل. ولا يمكن تحقيق انتصارات بناءة في ظل انقسامات قاتلة ومدمرة. إنها خلاصة بسيطة لوضع معقد.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات