فيلم "فتنة" .. ومحاولات تشويه صورة الإسلام السمحة

فتوح هيكل: فيلم "فتنة" .. ومحاولات تشويه صورة الإسلام السمحة

  • 17 أبريل 2008

في تصرفٍ أقلّ ما يمكن وصفه أنه "غير مسؤول"، قام النائب الهولندي المتطرف "جيرت فيلدرز"، زعيم حزب الحرية اليميني الذي يملك 9 مقاعد من أصل 150 مقعداً في البرلمان الهولندي، ببث فيلمه المسيء للإسلام على شبكة الإنترنت تحت عنوان "فتنة"، محاولاً من خلاله إظهار القرآن الكريم على أنه نص "مريع وفاشيّ" يحرض على العنف ويأمر باضطهاد النساء ومثليي الجنس، وذلك بعد أيام قليلة من مطالبته مسلمي هولندا بـ "التخلص من نصف القرآن إذا أرادوا أن يعيشوا في البلاد"!!.

وقد سعى فيلدرز في هذا الفيلم، الذي يستهدف نشر الكراهية وبث بذور الخلاف والتوتر بين الغرب والعالم الإسلامي وإظهار الدين الإسلامي بأنه يحض على الإرهاب والعنف والتدمير، إلى البرهنة على رأيه المسموم من خلال تلاوة بعض الآيات التي تم اقتطاعها من القران الكريم خارج سياقاتها التاريخية والمنطقية والسببية، وتصويرها على أنها إشادة بالعنف أو القتل أو التعذيب. ثم تركيب تلك الآيات على بعض مشاهد العنف والإرهاب التي ارتكبت في العالم في الفترة الأخيرة، مثل أحداث الحادي عشر من سبتمر 2001، وتفجيرات الحادي عشر من مارس/آذار 2004 في مدريد، كما تضمن الفيلم بعض المشاهد الدموية المريعة التي قام بها تنظيم القاعدة في العراق، مثل عمليات قطع الرؤوس التي تمت تحت لافتة "الله أكبر"، لتأكيد بربرية المسلمين ودمويتهم، من دون أن يشير بالطبع إلى أن العالم الإسلامي والمسلمين كانوا أول من استنكر تلك التصرفات، وربما بقدر أكبر من الاستنكار الذي لاقته في الغرب نفسه!!.

إن الشيء الوحيد الصادق في الفيلم هو اسمه، فهو حقاً "فتنة"، حاول النائب الهولندي أن يشعلها بين الغرب والمسلمين، من خلال إطلاق تعميمات خاطئة تصور الإسلام، بأنه يحض على القتل والتدمير، وتشبيه القرآن الكريم، الكتاب المقدس لدى المسلمين، بكتاب "كفاحي" الذي وضعه أدولف هتلر، ولذا تضمنت نهاية الفيلم مشاهد تتضمن تمزيق القرآن، وكأنها دعوة صريحة إلى التخلص من هذا الكتاب المقدس، الذي يحضّ على نشر قيم الرحمة والتسامح والعدل والمساواة، لا العنف والإرهاب كما حاول أن يظهره هذا النائب المتطرف.

ولذا، فلم يكن غريباً أن يتعرض هذا السلوك المشين من النائب الهولندي للانتقاد والهجوم حتى داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، سواء قبل أو بعد بث هذا الفيلم؛ فقد استبق المسؤولون في الاتحاد الأوروبي نشر الفيلم بالتحذير من النتائج التي يمكن أن تترتب عليه؛ إذ حذر الأمين العام لحلف شمال الأطلنطي (ناتو) ياب دي هوب شيفر من "النتائج الخطيرة" لعرض هذا الفيلم على قوات التحالف العاملة في أفغانستان، لاسيما القوات الهولندية الموجودة هناك، كما عبر وزراء العدل الأوربيون خلال اجتماعهم الأخير عن خوفهم من تجدد التوتر مع العالم الإسلامي في حال قام النائب الهولندي بعرض هذا الفيلم، الذي وصفه وزير العدل الهولندي بأنه "عمل يفتقر إلى المسؤولية"، ورفضت وسائل الإعلام الأوروبية المختلفة نشر الفيلم، مما اضطر النائب الهولندي إلى نشره على أحد مواقع الإنترنت المجهولة. أما الحكومة الهولندية فقد حاولت أن تنأى بنفسها عن تصرفات هذا النائب مؤكدة أنها لا تعبر عن موقف الحكومة التي تحترم حرية التعبير والعقيدة للمسلمين كما لأي شخص آخر.

غير أن ردود الفعل على نشر الفيلم جاءت، على عكس ما حدث في أزمة الرسوم المسيئة للنبي محمد (ص)، متعقلة وحضارية، فباستثناء المظاهرات التي شهدتها بعض الدول، والاحتجاجات الرسمية من الحكومات العربية والإسلامية لدى الحكومة الهولندية، لم يثر الفيلم الضجة التي توقعها النائب الهولندي، أو التي كان يتمنى حدوثها، وهو ما يعكس ارتفاع درجة النضج لدى الشعوب العربية والإسلامية، التي يبدو أنها فطنت إلى الهدف من مثل هذه التصرفات الاستفزازية، ورفضت الانسياق وراء مثيري الفتن ودعاة صراع الحضارات، وقرّرت إفشال مخططاتهم.

الأمر اللافت، أن هذا السلوك أو التصرف جاء بعد أيام قليلة من قيام الصحف الدنماركية بإعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الكريم محمد (ص)، بعد كشف الأجهزة الأمنية الدنماركية عن مخطط مزعوم لقتل الشخص الذي قام برسم هذه الصور، والتي كانت قد أثارت استياء واسعاً في صفوف المسلمين في كافة أرجاء الأرض عندما قامت صحيفة "يولاندز بوستن" الدنماركية بنشرها لأول مرة في سبتمبر/أيلول 2005، تحت مزاعم الدفاع عن حرية الرأي والتعبير، وهو ما يعكس بشكل واضح وجود رغبة قوية لدى البعض في الغرب في إشعال الصراع والصدام مع المسلمين من خلال الإساءة المتعمدة لمقدساتهم ورموزهم الدينية.

لاشك أن الاستناد إلى المبدأ الخاص بحرية الرأي والتعبير لتبرير القيام بمثل هذه الأعمال الاستفزازية لمشاعر أكثر من مليار مسلم حول العالم لا يمكن القبول به، فحرية التعبير "لا يمكن أن تكون مطلقة"، ولا تعني السماح بإهانة مقدسات الآخرين والمساس بها؛ لأنها في هذه الحالة ستقود إلى الفوضى والعنف. وهذا الأمر أكده الأمين العام للاتحاد الدولي للصحافيين، "إيدن وايت"، الذي وصف الفيلم بأنه عمل استفزازي ويهدف إلى نشر الكراهية والعداء بين الثقافات، ولذا لم يسمح بعرضه في هولندا أو في أي مدينة كبرى.كما يعكس هذا السلوك ازدواجية مفضوحة في الموقف الغربي؛ فإذا كانت حرية التعبير مقدسة كما يتم الزعم، فلماذا يتعرض أي شخص في أوروبا والغرب للملاحقة والعقاب إذا حاول مجرد التشكيك في جريمة الهولوكوست؟ ولماذا انتفض العالم الغربي بالكامل عندما قامت إيران بتنظيم مسابقة لأفضل رسوم عن "المحرقة"، وانتقد هذا التصرف باعتباره غير مسؤول، ألا يدخل هذا السلوك في نطاق حرية التعبير؟!

مثل هذه التصرفات غير المسؤولة التي تستهدف إشعال الصراع والتوتر بين الإسلام والغرب، لا يمكن فصلها عن اتجاه فكري أخذ بالانتشار في الغرب عقب انتهاء الحرب الباردة، يصور الإسلام باعتباره العدو الجديد للحضارة الغربية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؛ حيث بدأت كثير من الكتابات تتحدث عن "الخطر الأخضر" أو الخطر الإسلامي، الذي حل محل "الخطر الأحمر" السوفيتي، وتجسدت هذه الأطروحات الفكرية بأفضل تجلياتها في كتاب "صدام الحضارات" للمفكر الأمريكي صمويل هنتنجتون، والذي تحدث بوضوح عن صراع حتمي بين الغرب والإسلام. ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتعمق من هذا الاتجاه وتضفي شرعية على أطروحاته، وهو الأمر الذي استغله دعاة الصدام في العالم لترويج تصوراتهم المتطرفة وبث سمومهم التي تستهدف إشعال الحرائق بين الثقافات والأديان والشعوب.

لا يعني ذلك أن الصدام بين الإسلام والغرب يمثل رغبة عامة لدى الغرب أو المسلمين، بل على العكس، نجد أن الرغبة في الحوار والتعايش مازالت هي الحاكمة للعلاقة بينهما، وهذا ما تكشفه استطلاعات الرأي العام الجادة التي يتم إجراؤها من فترة لأخرى، كما أنه من الخطأ الفادح إطلاق تعميمات خاطئة بأن كل الغرب يكره الإسلام، فهذا أمر غير صحيح، وليس أدل على ذلك من تجاهل وسائل الإعلام الأوروبية الواضح لفيلم النائب الهولندي أو تناوله بشكل عابر وسريع، فليس كل الأوروبيين ينظرون هذه النظرة المقيتة للإسلام. صحيح أن "الإسلاموفوبيا" ظاهرة موجودة في الغرب، ولكن الصحيح أيضاً أن هناك نسبة أكبر مازالت تنظر إلى الإسلام باعتباره دين تسامح ورحمة. وعلى العرب والمسلمين أن يعملوا على تعزيز الصورة السمحة للإسلام، وأن يواجهوا محاولات دعاة صراع الحضارات التي تستهدف تشويه تلك الصورة السمحة للدين الإسلامي الحنيف.

إن الإسلام دين يحض على احترام الديانات السماوية الأخرى، بل إنه يعتبر الإيمان بهذه الديانات وبالكتب السماوية الأخرى ركناً من أركان الإيمان به، ولا يفرق بين نبي وآخر، أو بين دين وآخر، فالكل متساوون، وهذا ما يؤكده القرآن صراحة ونصاً في أكثر من موضع، ومن ذلك ما ورد في نهاية صورة البقرة؛ حيث قال تعالى: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله".. وهذه الدعوة الإلهية للمساواة بين الأديان والرسل واحترامهم جميعاً ينبغي أن تكون هي الأساس الذي يتحرك على أساسه البشر في كل مكان، بصرف النظر عن انتماءاتهم وثقافاتهم ودياناتهم.

ما ينبغي تأكيده في النهاية، هو أن السماح للمتطرفين ودعاة صراع الحضارات، أمثال فيلدرز، بالاستمرار في استفزازهم لمشاعر المسلمين من خلال تعمد الإساءة لمقدساتهم ورموزهم الدينية وعدم اتخاذ إجراءات حازمة في مواجهتهم، لن يؤدي سوى إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار في العالم؛ لأن ذلك من شأنه أن يولد قناعة لدى المسلمين بأنهم مستهدفون في دينهم وعقيدتهم، وهو ما يسهل بدوره من مهمة الإرهابيين وأصحاب الفكر المتشدد في تجنيد مزيد من الشباب في صفوفهم، وبالتالي زيادة موجة التطرف والإرهاب التي لن يسلم منها أحد، كما أن ذلك من شأنه أن يغذي الصراعات ذات الطابع الديني في العالم، ومن المعروف لدى الجميع أن هذا النوع من الصراعات هو أخطر أنواع الصراع التي يمكن أن يشهدها العالم؛ لأنها ترتبط بالعقائد الراسخة لدى أصحابها، ولا يمكن تسويتها بسهولة.

ومن أجل ذلك يتعين على العقلاء في هذا العالم أن يعملوا بقوة على التصدي لهذه التصرفات الاستفزازية غير المسؤولة، وإخراج أديان ومقدسات الشعوب من دائرة العبث والاستهزاء تحت أي مبرر، ويتعين على الأمم المتحدة أن تتحرك بجدية من أجل تجريم أي صورة من صور الإساءة لهذه الأديان والمقدسات، كما يتعين على المسلمين ألا ينجروا خلف مثيري الفتن ودعاة الصراع ويعملوا على إفشال مخططاتهم في إشعال الحرائق والصراعات بين الثقافات والأديان، وذلك من خلال تجنب ردات الفعل العنيفة، والتحرك بشكل سلمي وحضاري لتأكيد الطابع التسامحي لديننا الإسلامي الحنيف.

Share