فيضانات باكستان تطلق صيحات التغيير السياسي

  • 26 سبتمبر 2010

شكلت أسوأ كارثة طبيعية تشهدها باكستان منذ 63 عاماً فرصة جيدة لطلب الخلاص من الأخطاء السابقة التي وضعت البلاد في وضع معقد. لقد ضاعفت الفيضانات المدمرة تعاسة هذا البلد الذي تمزق آفة الإرهاب نسيجه الاجتماعي واستقراره الأمني، فيما ساهم التقلب بين الديمقراطية والحكم العسكري منذ الاستقلال في إضعاف الثقة بالنظام السياسي برمته. لكن مزيداً من الناس بدؤوا يعتقدون أن هذا الكارثة الإنسانية ربما تكون نعمة لباكستان، وأنها قد تساهم في خلق ظروف مغايرة تسمح ببداية جديدة.

قد يكون الأمر مجرد حلم بعيد، غير أن هناك اعترافاً بأن هذه الكارثة تمثل دعوة للتغيير واليقظة. الدعوة موجهة للمؤسسة الحاكمة من أجل توفير إدارة جيدة للمشكلات التي تواجهها البلاد، وللمؤسسات الوطنية لتعمل بطريقة أكثر اتساقاً عوضاً عن العمل بشكل منعزل، وإلى الناس ليرتفعوا فوق الاعتبارات الطائفية الضيقة من أجل المصلحة الوطنية العليا للبلد. فإذا كان الأمراء الإقطاعيين وأتباعهم على حد سواء قد باتوا يؤمنون بأن اختلاط الحدود الفاصلة ما بين الأراضي بسبب الفيضانات يمثل فرصة للقيام بتوزيع عادل للموارد فإن هذا يشير إلى بداية جديدة، وإذا كان الجميع متفقين على أنهم لا يستطيعون تحمل مزيد من التدهور في الأوضاع فإن الأمور لا تستطيع سوى أن تتجه نحو الأفضل.

لكن هذا الأمر ليس بالسهولة التي تبدو عليه؛ لأنه لا يمكن إنكار حجم الدمار الذي تسببت به الفيضانات. فمنذ 29 يوليو 2010، عندما ضربت الفيضانات المفاجئة والانهيارات  شمال غرب باكستان وبعض المناطق الأخرى من البلاد، تم الإبلاغ عن نحو  1750 من الضحايا وحوالي 20 مليون شخص تأثروا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، 70% منهم من النساء والأطفال، ونصفهم على الأقل من دون مأوى. وقد أعلنت الحكومة حالة الطوارئ في 6 أغسطس عندما وصلت الفيضانات إلى جنوب البلاد وأدت إلى تهجير نصف مليون شخص في أقاليم البنجاب وخيبر باختنخوا، كما تقدمت الأمم المتحدة بطلب مساعدات طارئة بقيمة 460 مليون دولار وأعلنت فيما بعد أنها تحتاج إلى المزيد.

وفي تعليق أكثر وضوحاً عن حجم الكارثة، أخبر موريزيو جيليانو، المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق المساعدات الإنسانية، الأسوسشيتد برس بأن عدد الأشخاص الذين تأثروا بالفيضانات قد يتجاوز إجمالي الذين تأثروا بتسونامي المحيط الهندي عام 2004 وزلزال كشمير عام 2005 وزلزال هايتي عام 2010، فيما ذكرت وكالة إدارة الكوارث الوطنية في باكستان أن الفيضانات قد دمرت نحو 8.9 مليون هكتار من الأراضي الزراعية وقتلت نحو 1.2 مليون رأس من الماشية، وتم جرف حوالي 6.5 مليون هكتار من المحاصيل في أقاليم البنجاب والسند فقط مما أدى إلى انهيار القطاع الزراعي الذي يشكل 70% من صادرات البلاد. وبسبب تلف المحاصيل، وخاصة الحبوب، فإن الإمدادات الغذائية أصبحت مهددة بشكل يضع هذا القطاع الذي يشكل نسبة 45% من الوظائف بحالة فوضى شاملة.

لسوء الحظ فإن الكارثة لا تزال تتفاقم. فبعد ستة أسابيع من بدء الفيضانات لا تزال المياه تتدفق في جنوب باكستان مجبرة عشرات الآلاف على الهروب والعيش في مخيمات يعانون فيها من انتشار الأمراض التي تتراوح بين الإسهال الحاد والملاريا. كما كان لهذه الكارثة تأثيرها الواضح في اقتصاد باكستان الضعيف أصلاً؛ حيث قدرت الحكومة حجم الخسائر بحوالي 43 مليار دولار، وذكرت أن الناتج المحلي الإجمالي قد يتراجع إلى حوالي 2.5 بالمائة مقارنة بمعدل النمو المستهدف البالغ 4.5 بالمائة خلال العامين 2010-2011.

لقد كشف التدمير الذي أحدثته الفيضانات بشدة نقاط ضعف الحكومة. ففيما يمكن وصفه بحالة منفصلة وغريبة استطاعت الوكالات والمنظمات غير الحكومية المختلفة تأدية دور مهم عبر حشد أموالها الخاصة، وتحريك وسائلها الميدانية، وتنظيم أعمال الإغاثة الخاصة بها. وساهم فقدان الثقة في المؤسسات الحكومية في تعزيز دور هذه الوكالات؛ حيث قام المواطنون باختيار مساعدة المنظمات الأجنبية والمحلية غير الحكومية متجاوزين ومتجاهلين السلطات المحلية. وقد حاول رئيس الوزراء نزع المصداقية عن هذه المنظمات الأجنبية قائلاً إن نصف الأموال الموجهة إليها ستختفي. وفيما أخفقت الدولة في الارتقاء إلى مستوى المسؤولية، قامت المنظمات الخيرية ذات النزعة المتطرفة بتوفير المأوى والطعام لآلاف المنكوبين والمتضررين. ومن الواضح أن أزمة النظام قد تعمقت إلى حد أن البلاد لا تستطيع العمل بشكل موحد حتى في أوقات الشدة.

إن باكستان لا تستطيع المضي قدماً وفق نظامها الحالي من دون تغيير، ويجب عليها أن تقوم بإجراء إصلاحات جذرية. ويقول بعض المراقبين إنها يجب أن تبدأ بتطبيق الديمقراطية عبر تقوية المؤسسات الديمقراطية ونشر الثقافة الديمقراطية. وقد يكون هذا الهدف ممكناً لكن تطبيقه بواسطة المجموعة الحالية من السياسيين قد لا يكون مثالياُ. وبما أن أعطاء السلطة المطلقة للبيروقراطيين محفوف بالمخاطر، فإن الجيش يبقى المؤسسة الوحيدة التي بإمكانها استعادة النظام إلى البلاد. ولكن بعد مراجعة تاريخ الأنظمة العسكرية السلطوية في باكستان يمكن القول إن عودتهم إلى أروقة السلطة قد لا تُبهج الجماهير.

وقبل التفكير العميق حول الطريقة الأفضل للمضي قدماً، هناك كثير من العمل الذي ينبغي القيام به، من ذلك محاولة استعادة الصورة الإيجابية للبلاد كدولة قادرة على مواجهة المشكلات، فهذا يجب أن يكون من أولويات الحكومة الباكستانية. لقد برزت الصورة السلبية لباكستان من خلال استجابتها البطيئة في مواجهة كارثة الفيضانات ثم العزوف عن القيام بمزيد من العمل المطلوب إنجازه. وعندما حذرت الأمم المتحدة من أن بطء تقديم المساعدات سيعوق عمليات الإغاثة بدأت المساعدات بالوصول ولكن بحجم قليل. وتم بعد ذلك التوضيح بأنه حان الوقت ليقوم المرء بمساعدة نفسه قبل تلقي المساعدة من الآخرين.

وفي 15 سبتمبر أخبر ريتشارد هولبروك مبعوث الولايات المتحدة لأفغانستان وباكستان المحررين في كراتشي بأن حلفاء باكستان لا يستطيعون القيام بأكثر مما قاموا به لإعادة إعمار البلاد، وأن على الحكومة توفير عشرات المليارات من الدولارات من أجل الإعمار. وأضاف: "لن يستطيع  المجتمع الدولي توفير عشرات المليارات من الدولارات. يجب أن تقوموا باكتشاف كيفية توفير الأموال". هذا الموقف، إضافة إلى كونه مؤشراً للأمور التي يمكن أن تحدث مع أي بلد، يمثل درساً في أهمية الاعتماد على الذات.

لقد أثرت كارثة الفيضانات سلبياً في الاقتصاد الباكستاني الضعيف أصلاً. وكلفة إعادة التأهيل ستفاقم على الأرجح حدة العجز المالي الذي تعانيه البلاد؛ إذ إن نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي بلغت نحو 10%، وهو الأسوأ في العالم، والقاعدة الضريبية للبلد تبقي ضيقة جداً. لقد وافق صندوق النقد الدولي على صرف 451 مليون دولار من المساعدات الطارئة للمساعدة على إعادة إعمار باكستان، إلى جانب 11 مليار دولار من البرنامج الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي للعام 2008. أما الباقي فيتعين على البلاد أن توفره من مواردها الخاصة وهذا الأمر سيشكل مهمة صعبة جداً.

إن الشعور السائد داخل باكستان وبين الباكستانيين في الخارج قد انقلب من الدعوة إلى "ثورة دموية" إلى حال من الاكتئاب وعدم الاكتراث. ولكن نجاح البلد يكمن في قدرته على إيجاد حل وسط. وقد لخص عمران خان، لاعب الكريكت الذي تحول إلى السياسة، الأمر بطريقة مثلى، قائلاً: "عندما رأيت حجم الدمار لأول وهلة أُصبت بالصدمة بشكل تعجز الكلمات عن وصفه.. لكن انتبهت بعد ذلك إلى أن هذا الأمر يشكل فرصة لنا نحن الباكستانيين لنتحد ونبدأ التحرك لإنقاذ أولئك الذين ضربهم الفيضان". وإذا ما تصرف مزيد من الناس على النحو الذي تصرف به خان فإن باكستان يمكن أن تتغير بسرعة، وهذا سيكون خبراً جيداً أكثر من الشائعات حول احتمال حدوث عملية انقلاب عسكري جديد.

Share