فيروس «كورونا»… ظهوره ومراحل انتشاره

عندما بدأ الحديث عن فيروس كورونا في الصين في مطلع يناير من العام الجاري، لم يكن أحد يتصور أن هذا الفيروس سيتسبب بعد نحو ثلاثة أشهر فقط، فيما يشبه حالة شلل على المستوى العالمي، بعد أن أجبر دولاً عديدة على إغلاق حدودها وعلى فرض حظر تجول كلي أو جزئي، وعلى إلغاء أو تعليق الدراسة، فضلاً عن جهود كثيفة أخرى من أجل مواجهة هذا الفيروس الذي يهدد استمراره بتداعيات كارثية على مختلف المستويات.
ظهور الفيروس
لقد لفت الفيروس انتباه العالم إليه عندما أعلِن في الصين، في بدايات شهر يناير الماضي، أن السلطات تحقق في تقارير حول انتشار نوع غامض من الالتهاب الرئوي في مدينة ووهان وسط البلاد، وذلك مع إصابة 59 شخصاً بالعدوى، صُنفت 11 حالة منها على أنها «خطرة»، وجاء ذلك وسط مخاوف من أن يكون هذا المرض مرتبطاً بعودة انتشار متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد (سارس)، أو بأعراض قاتلة لمرض تنفسي آخر. وحتى ذلك الوقت لم تكن السلطات الصينية تعلم بالضبط ما هي طبيعة المرض، حيث ذكرت مفوضية الصحة في مدينة ووهان أن أعراض المرض ليست مثل الإنفلونزا العادية، ولا إنفلونزا الطيور، كما أنها ليست مشابهة لأعراض أمراض الجهاز التنفسي التقليدية، لكن البيان لم يذكر «سارس» في هذه القائمة. وما هي إلا فترة وجيزة حتى تم اكتشاف أن هذا النوع الغامض من الالتهاب الرئوي سببه فيروس كورونا، وتحت هذا المسمى تقع عائلة واسعة من الفيروسات، كان المعروف منها 6 فقط، لكن الفيروس الجديد جعلها 7، وكلها تصيب البشر.
مراحل انتشار الفيروس
مّر فيروس كورونا بمراحل خلال فترة انتشاره، فبعد إعلان ظهوره في مدينة ووهان الصينية وانتشاره في مدن صينية عدة أخرى، بدأ عدد الإصابات بالارتفاع بشكل كبير، كما بدأ عدد الوفيات بالارتفاع أيضاً، وصار معدل الإصابة يومياً يصل إلى الآلاف، فيما قفز معدل الوفاة إلى المئات، وأصبحت الصين البؤرة الرئيسية للفيروس، ومنها انتقل إلى العديد من دول العالم الأخرى التي انتابتها المخاوف، ولاسيما أن توقيت تفشي المرض في الصين تزامن مع سفر ملايين الصينيين مع عائلاتهم لقضاء عطلة رأس السنة الصينية الجديدة التي تبدأ في نهاية يناير، ومما زاد من المخاوف ثبوت أن الفيروس ينتقل من إنسان إلى آخر. وفي ظل تزايد أعداد المصابين بالفيروس في الصين بشكل يومي بدأ الفيروس ينتشر في بلدان آسيوية مجاورة ودول أخرى مثل الولايات المتحدة، وعزا بعضهم انتشار الفيروس في هذه الدول إلى أن مدينة ووهان التي ظهر فيها الفيروس يصل عدد سكانها إلى نحو 8,9 ملايين نسمة، ويزورها عدد كبير من الأجانب، وتمثل نقطة اتصال كبيرة مع العالم، حيث تنطلق من مطارها الذي استخدمه 20 مليون مسافر في عام 2016، رحلات جوية مباشرة إلى لندن وباريس ودبي، وغيرها من مدن العالم، كما أنها تعد «أساساً للصناعات المتطورة والتقليدية»، وتستثمر فيها 230 من أكبر 500 شركة في العالم، وقد ضمنت حركة الناس من ووهان وإليها انتشار الفيروس الواسع، حيث تأكد أن أوائل المصابين في دول عدة مثل كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة وتايلاند كانوا قد زاروا هذه المدينة أو أقاموا فيها.
وقد بدأ الفيروس بالفعل في الانتشار والتفشي في العديد من دول العالم، كما حدث في كوريا الجنوبية واليابان وبعض الدول الآسيوية الأخرى، وكما حدث في إيران وإيطاليا وبعض الدول الأوروبية، حيث بدأ معدل الإصابة اليومي في الارتفاع بشكل كبير في هذه الدول، كما ارتفع معدل الوفيات بشكل ملحوظ أيضاً، حتى أصبحت كلٌّ من إيران وإيطاليا بؤراً جديدة للفيروس ينتقل منها إلى الدول المحيطة بهما، سواء في آسيا أو أوروبا، وبرغم الجهود التي بذلتها الدول التي تفشى فيها الفيروس لمكافحته أو تلك التي لم تعرف تزايداً كبيراً في معدلات الإصابة، فإن موجات من الانتشار قد حدثت بشكل كبير حتى أعلنت منظمة الصحة العالمية في 11 مارس الماضي أن فيروس كورونا بات «وباء عالمياً»، وأن عدد المصابين به وصل إلى مستوى وباء عالمي؛ إذ إن عدد الحالات المصابة زاد 13 ضعفاً في الأسبوعين السابقين لهذا التاريخ، كما تضاعف عدد الدول التي تضررت منه ثلاثة أضعاف، حيث بلغ عدد حالات الإصابة على مستوى العالم آنذاك 118 ألف حالة في 114 دولة، توفي منها 4291 شخصاً.
وخلال هذه المرحلة من مراحل انتشار الفيروس كان أعلى معدلات الإصابة به في الصين وإيطاليا وإيران وإسبانيا وفرنسا، وبحسب إحصائية نشرتها وكالة «فرانس برس» يوم الاثنين 16 مارس الجاري، بلغت حصيلة الإصابات بفيروس كورونا 168 ألفاً و250 حول العالم، بينما وصل عدد الوفيات إلى 6501 في 142 بلداً ومنطقة. فيما بلغ إجمالي عدد الإصابات في الصين 80 ألفاً و860 بينها 3213 حالة وفاة، في حين تعافى 67 ألفاً و490 شخصاً. وأما خارج الصين، فسُجلت 3288 حالة وفاة من بين 87 ألفاً و396 إصابة، 4301 منها جديدة. وكانت الدول الأكثر تأثراً بالفيروس بعد الصين هي إيطاليا؛ 1809 وفيات و24747 إصابة، تلتها إيران؛ 724 وفاة و13983 إصابة، ومن ثم إسبانيا؛ 288 وفاة و7753 إصابة، ثم فرنسا؛ 127 وفاة و5423 إصابة.
وفي مرحلة جديدة من مراحل انتشار الفيروس، انضمت الولايات المتحدة الأمريكية إلى دول أوروبية، لتكون بورة أخرى للوباء؛ فوفقاً لإحصائيات أعدتها جامعة جون هوبكنز الأمريكية، جاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثالثة عالمياً من حيث أعداد الإصابات بفيروس كورونا المستجد، مسجلة حتى صباح يوم الثلاثاء 24 مارس الجاري 46 ألفاً و371 إصابة، فيما بلغت أعداد الوفيات في الولايات المتحدة 471 حالة وفاة.
وفيما تراجع معدل الإصابة في الصين التي أعلنت أنها انتصرت على الفيروس ولم تعُد تسجل إصابات داخل أراضيها، وأن الإصابات الجديدة فيها باتت تقتصر على مواطنيها العائدين من أوروبا والولايات المتحدة، فقد وصل الفيروس إلى كل دول العالم، حيث ظهرت الإصابات والوفيات في مختلف الدول وبدرجات متفاوتة، وقد أظهرت إحصائية جامعة جون هوبكنز المشار إليها، أن وفيات الفيروس بلغت على مستوى العالم أكثر من 16 ألف حالة وفاة، حتى صباح يوم 24 مارس الجاري، فيما بلغ عدد الإصابات أكثر من 381 ألف إصابة حول العالم، محققة ارتفاعاً يتجاوز 40 ألف إصابة جديدة بالمرض خلال 24 ساعة فقط. وتصدرت إيطاليا قائمة الدول الأكثر تسجيلاً للوفيات بالمرض في العالم، حيث وصل إجمالي الوفيات فيها إلى 6 آلاف و820 حالة وفاة، فيما بلغ عدد المصابين 69 ألفاً و167 حالة إصابة، وارتفعت أعداد الإصابات بشكل ملحوظ في كل من إسبانيا، مسجلة 35 ألفاً و136 حالة، و2311 حالة وفاة، وألمانيا مسجلة 29 ألفاً و56 حالة إصابة، و94 حالة وفاة فقط، وفرنسا مسجلة 22304 إصابة و1100 وفاة، كما ارتفع عدد المصابين في إيران إلى 21 ألفاً و638 إصابة، فيما بلغت أعداد الوفيات 1812 حالة وفاة.
ويكشف النظر إلى أعداد المصابين على مستوى العالم وجود حالة من «تسارع» انتشار فيروس كورونا؛ وهو ما أكدته منظمة الصحة العالمية، عندما أشارت إلى أن عدد الإصابات بالفيروس وصل إلى 100 ألف حالة بعد 67 يوماً من تسجيل أول إصابة في ديسمبر 2019، ثم سُجلت 100 ألف حالة أخرى خلال 11 يوماً، وبعدها سُجلت أكثر من 100 ألف حالة خلال أربعة أيام فقط. وبرغم هذا الانتشار الواسع لفيروس كورونا فإن البيانات أظهرت أن عدد المتعافين تجاوز الـ 100 ألف.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات