فكر مستنير لبناء أمة حضاريَّة

  • 25 مايو 2016

لم تفتأ دولة الإمارات العربية المتحدة، ممثلة في قيادتها الرشيدة، تسير في مسار الإصلاح السياسي الهادف، وتستند إلى الطرح الفكري الأكثر عقلانيةً ومواءمةً للسياقات الزمنية والتاريخية والحضارية؛ بهدف الوصول إلى الأهداف الكبرى التي تنشدها الأمم المتحضِّرة، وتقتضيها مفردات عصر أصبحت الريادة فيه للفكر والإنتاج المعرفي، والتمكُّن من ناصية العلم انطلاقاً من بديهية أصبحت معروفة اليوم هي أن «قوة البلدان تتحدَّد بمدى ما تملكه من معرفة»؛ فدولة الإمارات العربية المتحدة، اليوم، تُعَدُّ من بين الدول القليلة التي استوعبت الفرق بين مصطلحَي التاريخ العبء والتاريخ الحافز، وتمثلته؛ ولهذا تمكَّنت، برؤية حكامها، من تحويل الإرث التاريخي إلى إرث محفِّز على البناء والتطوير واستشراف المستقبل، وأبت إلا أن تكون من البلدان التي تعطي الأولوية للفكر المستنير والطرح الحضاري التجديدي، بدل الارتهان للخطابات الدينية الماضوية الجامدة، تلك الخطابات التي يلجأ أصحابها إلى وضعها في لبوس ديني، مستخدمين شعارات برَّاقة لإثارة عواطف الشعوب.

إن رؤية دولة الإمارات العربية المتحدة للمخاطر الناجمة عن توظيف البعد الديني لخدمة أجندات سياسية شمولية لم تنطلق من فراغ، بل إن مفكرين ومنظِّرين كباراً مثل سعادة الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجيَّة، قد أسسوا لها انطلاقاً من قراءتهم التحليلية العميقة للتاريخ السياسي والثقافي للحضارة العربية–الإسلامية، مشكِّلين بذلك امتداداً فكرياً ومعرفياً لشخصيات تركت بصماتها في التاريخ.

لقد شخَّص سعادة الدكتور جمال سند السويدي، في مقال تم نشره مؤخراً تحت عنوان (إلغاء «الخلافة».. والتفكير خارج الزمن)، رؤيته للأزمة الفكريَّة الكبيرة الممتدَّة في تاريخنا الحديث، قائلاً «إننا لا نحسم معاركنا الفكرية الكبرى؛ وهو ما جعلنا نستمر في إعادة طرح الأسئلة نفسها، التي طُرِحَت منذ قرون من دون أن نقدِّم لها إجابات حاسمة»، وهذا -كما يقول سعادته- «جعل كل أسئلة النهضة معلَّقة منذ أن طرحها رواد النهضة العربية الأوائل في نهاية القرن الثامن عشر، وما زالت تثير الجدل والخلاف في القرن الحادي والعشرين».

ويضيف أن كبرى المعضلات المطروحة اليوم هي مسألة «الخلافة» التي تعُدُّها الجماعات الدينية بمختلف فروعها ركناً من أركان الإسلام، وتَعُدُّ إلغاءها «نكسة» أو «مؤامرة» على العالم الإسلامي، و(تسعى قدر جهدها إلى إحيائها من جديد، على الرَّغم من أنه في ظل الخلافة العثمانية، على سبيل المثال، وَقَعت دول العالمَين العربي والإسلامي تحت الاحتلال الأجنبي، وتخلَّفت هذه الدول عن ركب الحضارة الحديثة بما فرضته عليها «الخلافة» من نظم وقوانين وقيود جامدة ومضادَّة لحركة التطور والتمدن، ولم يكن فيها من الدين إلا شعار أو ستار يستخدمه «الخلفاء» و«السلاطين» لبسط سيطرتهم على الرعية، وتبرير سياساتهم، وتقوية سلطتهم، وتوسيع ملكهم).

وبرغم ذلك كلِّه -وكما يضيف سعادة الدكتور جمال سند السويدي- لا يزال أولئك يصرُّون على التفكير خارج سياق الزمن، خاصة بعد وصول بعض جماعات الإسلام السياسي إلى السلطة، أو المشاركة فيها، بعد أحداث ما عُرِف بـ«الربيع العربي».

إلا أنه برغم طول المعركة الفكرية، وما تتطلَّبه من جهد بحثي شجاع، فإن الفكر يبقى هو المنتصر في النهاية، وقد بدأت بشائر ذلك النصر تظهر في الآونة الأخيرة، من خلال دعوة زعيم حركة «النهضة» التونسية، راشد الغنوشي، إلى الفصل بين الخطابَين الديني والسياسي، في مؤشر واضح إلى مراجعة أيديولوجيا فكرية أثبت التاريخ تهافتها.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات