فشل جديد لجهود تحرير التجارة العالمية

  • 4 أغسطس 2014

جاء فشل "منظمة التجارة العالمية" في إبرام اتفاق دولي على توحيد القواعد الجمركية، ليعيد إلى الصدارة مرة أخرى قضية تعثر الجهود العالمية في مجال إتمام اتفاقات تحرير التجارة العالمية، وليضع الكثير من علامات الاستفهام حول مستقبل المؤسسات الاقتصادية العالمية المختصة بهذه القضايا، وعلى رأسها "منظمة التجارة العالمية"، ويفتح المجال كذلك، وبهوامش ونطاقات أوسع، أمام صعود موجات جديدة للتحالفات والتكتلات الاقتصادية والتجارية الإقليمية، من شأنها أن تأتي على مكتسبات تحرير التجارة العالمية التي تم تحقيقها طوال العقود الماضية.

كان بمقدور المشاركين في اجتماع "منظمة التجارة العالمية"، في جنيف نهاية الأسبوع الماضي، أن يقطعوا خطوة حقيقية إلى الأمام في مسيرة إصلاح منظومة التجارة العالمية المتوقفة تقريباً، منذ بداية "جولة الدوحة" لمفاوضات تحرير التجارة العالمية في عام 2001، لكن جاءت مطالبة الهند خلال اجتماع المنظمة بالإبقاء على امتيازات تخزين ودعم السلع الزراعية بأكثر مما تسمح به قواعد المنظمة، لتقف حجر عثرة أمام إبرام الاتفاق الدولي لتوحيد القواعد الجمركية، وانتهت المهلة النهائية المحددة لذلك من دون إحراز أي تقدم، وهو ما يحرم الاقتصاد العالمي من نحو  تريليون دولار زيادةً في الناتج المحلي الإجمالي العالمي ومن نحو 21 مليون فرصة عمل جديدة، كانت متوقعة في حال تم التوصل إلى الاتفاق، فيما كان سيعد رافداً جديداً للنمو الاقتصادي العالمي وبث دماء جديدة في أسواق العمل الدولية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي ضعف النمو وارتفاع معدلات البطالة وهشاشة التعافي من الأزمة المالية العالمية وتداعياتها السلبية التي لاتزال تجلياتها منتشرة في العديد من الاقتصادات.

جدير بالذكر أن أعضاء "منظمة التجارة العالمية" كانوا قد توصلوا بالفعل في ديسمبر الماضي إلى اتفاق بشأن الإصلاحات العالمية للإجراءات الجمركية، وهو ما يعرف بـ"اتفاق تسهيل التجارة"، ويطلق عليه كذلك مسمى "حزمة بالي" تيمناً بالجزيرة الإندونيسية، التي استضافت اجتماع المنظمة آنذاك، وهذا الاتفاق يُلزم أعضاء المنظمة بالتحرك جدياً تجاه خفض الحواجز التجارية غير الجمركية، عبر إنشاء قواعد تنظيمية جمركية أكثر شفافية، والحد من الأعمال والإجراءات الإدارية المرتبطة بالتجارة والمعرقلة لها. لكن يبدو أن ما كانت تعانيه "حزمة بالي" منذ خروجها إلى النور من مواطن ضعف، هي الأسباب نفسها التي أدت إلى عدم تمكن المجتمعين في الاجتماع الأخير للمنظمة من إدراج الاتفاق ضمن قواعد المنظمة رسمياً تمهيداً للعمل به، فـ"حزمة بالي" لم يتيسر لها حين إبرامها تناول القضايا التجارية الملحة والأكثر إثارة للجدل بين دول الشمال ودول الجنوب، وهو السبب نفسه الذي تعود إليه معظم حالات الفشل والتعثر التي مرت بها مفاوضات تحرير التجارة العالمية في الماضي، وهي ذاتها العقبة التي تقف أمام التوصل إلى اتفاق نهائي في "جولة الدوحة"، منذ ما يزيد على اثني عشر عاماً.

أخيراً، فالخلاف بين الشمال والجنوب، يُتوقع أن يبقى عقبة أمام جهود تحرير التجارة العالمية لعقود في المستقبل، ولاسيما أن الأزمة المالية العالمية ومظاهر الضعف الاقتصادي التي نتجت عنها دفعت الدول إلى تبني نزعة حمائية جديدة، وجعلتها أقل إقبالاً على المشاركة في أنشطة تحرير التجارة الدولية، وفشل الاجتماع الأخير للمنظمة بسبب مطالب الهند، يكشف عن مدى عظم التحدي وخطورته، ويضع على الدول مسؤولية مجابهته، قبل أن يأتي على مكاسب جهود تحرير التجارة العالمية التي أُنجزت خلال ما يزيد على نصف قرن.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات