فشل استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط

د. كينيث كاتزمان: فشل استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط

  • 1 نوفمبر 2006

أحد أهم الأسباب التي دفعت الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ قرارها بغزو العراق في مارس/آذار 2003 هو اعتقادها بأن إسقاط نظام "صدام حسين" سوف يساهم في تحسين الوضع الاستراتيجي للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط؛ حيث كان هناك اعتقاد واسع بأن إزاحة هذا الدكتاتور سترسل إشارة واضحة إلى الأنظمة الاستبدادية الأخرى في المنطقة بأنها سوف تواجه نفس المصير إذا اتجهت نحو تطوير أسلحة دمار شامل، أو أقامت علاقات مع المنظمات الإرهابية الرئيسية مثل تنظيم القاعدة. بل إن بعض مهندسي الغزو تمادوا في اعتقادهم بأن الأنظمة الاستبدادية سوف تتهاوى بصورة عفوية من دون أي تدخل مباشر من الولايات المتحدة بفضل تنامي الحركات الديمقراطية الموالية لواشنطن، والتي سيكون سقوط صدام بمثابة إلهام لها. كما اعتقد هؤلاء الاستراتيجيون بأن تحول العراق نحو الديمقراطية سوف يرفع من مستوى الزخم نحو تحقيق الإصلاح في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وتهيئة المسرح لوضع نهاية للظلم السياسي الذي يعمل كحاضنة للإرهابيين.

لكن وبدلا من ذلك، أدى تدخل الولايات المتحدة إلى حدوث أكبر انهيار في الوضع الاستراتيجي لها في الشرق الأوسط، منذ أن أصبحت تمثل القوة الكبرى في هذه المنطقة منذ ستينيات القرن الماضي؛ حيث أثبت "التمرد" في العراق أن الولايات المتحدة قابلة للهزيمة والسقوط العسكري بدرجة لم يسبق لها مثيل. وهذا منظور خطير في منطقة لا تحترم إلا القوة والقدرات العسكرية. ورغم أن التفجير الانتحاري الذي استهدف الثكنات العسكرية للجيش الأمريكي في بيروت في أكتوبر/تشرين الأول 1983 وأدى إلى انسحابه من لبنان أوضح أن الولايات المتحدة مكشوفة ومعرضه للهزيمة، إلا أن واشنطن لم تكن تنظر إلى لبنان الثمانينيات على أنه يمثل مصلحة مهمة لها، على العكس من العراق الذي صنفت انتصارها فيه على أنه مصلحة حيوية، ومع ذلك لا زالت غير قادرة على قمع المقاومة التي يقودها السنة أو خصومهم من المليشيات الشيعية.

لم يحدث من قبل أن واجهت الولايات المتحدة احتمال أن تحصل حكومة شرق أوسطية مناوئة لها على قدرات نووية. ورغم أن عراق صدام كان على وشك الحصول على قدرات نووية في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، إلا أن هذا النظام كان في هذه الفترة حليفا للولايات المتحدة. ولكن مع تحوله إلى عدو تم تدمير برنامجه النووي أثناء عملية تحرير الكويت، وتفكيك برامج أسلحة التدمير الشامل فيه من خلال مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة قبل شن الحرب عليه وإسقاطه.

أما إيران فقد ظلت خصماً عنيداً للولايات المتحدة منذ اندلاع الثورة الإسلامية في عام 1979. وقد جرى تسريع برنامجها النووي من منظور أن واشنطن لن تجرؤ على مهاجمة دولة نووية، وحققت تقدماً في هذا الإطار، حتى قيل إنها أصبحت على مشارف حقبة التوصل إلى أجهزة نووية عاملة. ورغم أن إدارة الرئيس بوش أصرت على أن وجود إيران كدولة نووية أمر غير مقبول، إلا أن الدبلوماسية الأمريكية لم تكن قادرة حتى الآن على إيقاف تقدم إيران في هذا المجال. ومع أنه لا يزال هناك وقت لإنجاز ذلك ولم تستنفذ الولايات المتحدة بعد جميع خياراتها، إلا أن هناك في المقابل إرهاصات بأن حظوظ إيران في ارتفاع مستمر؛ فالعديد من دول المنطقة خاصة الخليجية بدأت ترى أن هناك إمكانية بوجود مستقبل لا تعود فيه الولايات المتحدة قادرة على أن تلعب دور الضامن الذي لا يقهر لأمن الخليج. ومن المحتمل أن تسعى دول الخليج إلى قبول بعض من مطالب إيران لتفادي المواجهة المباشرة معها، على الرغم من استمرارها في التعاون مع جهود الولايات المتحدة في احتواء إيران النووية.

اللافت أن تقدم إيران في المضمار النووي جاء في وقت تهاوت فيه الأنظمة المناوئة لطهران في كل من أفغانستان والعراق على يد الأمريكيين أنفسهم، مما أدى إلى إعادة تشكيل قوى مساندة لإيران في دول الجوار تلك، لم تكن هي نفسها قادرة على تشكيلها قبل التدخل الأمريكي. بشكل هيأ المسرح لظهور "هلال" أو "محور متشدد" مساند لإيران يضم إلى جانبها عراق يسيطر عليه الشيعة الموالون لها، وحليف في سوريا هو "بشار الأسد"، في الوقت الذي يشهد فيه لبنان اتساعاً في نفوذ حزب الله الموالي لإيران. ويمكن أن تزداد قوة هذا المحور في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2006 إذا حققت الحركات الشيعية الأغلبية في الانتخابات البرلمانية في البحرين. وقد أثار ظهور هذا المحور الموالي لإيران في المنطقة قلق الدول السنية التي ظلت موالية للولايات المتحدة من بينها مصر والأردن والمملكة العربية السعودية.

انهيار الوضع الاستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة يرجع أيضاً إلى تزايد شعبية المجموعتين اللتين صنفتهما واشنطن كمنظمات إرهابية، وهما: حماس وحزب الله، فالأولى تتولى الآن حكومة السلطة الفلسطينية، ولم تستطع الدبلوماسية الأمريكية إجبارها على التخلي عن رفضها لحل الدولتين، ما يعني أن أي مفاوضات إسرائيلية-فلسطينية لن تكون مجدية إلا إذا سقطت حكومة حماس، إذا قدر لذلك أن يحدث أصلاً. أما حزب الله، الذي ازدادت شعبيته بعد مواجهة إسرائيل في يوليو-أغسطس، فقد أدت صورته التي ازدادت تألقاً في لبنان إلى تهيئة المسرح لاحتمال عودة النفوذ السوري إلى لبنان، بعد أن كان تقليص النفوذ السوري وإجبار دمشق على الانسحاب من لبنان من الإنجازات الكبيرة والواضحة لإدارة بوش في مجال نشر الديمقراطية والإصلاح في المنطقة.

لقد عانى الوضع الاستراتيجي الأمريكي في المنطقة أكثر من جراء الانحسار السياسي "لمصر حسني مبارك"، ففي خضم تركيزها الأحادي الجانب على الديمقراطية دفعت الولايات المتحدة "مبارك" إلى إجراء انتخابات برلمانية في عام 2005، كان المستفيد الأكبر منها هو جماعة الإخوان المسلمين التي تتباهى الآن بفوزها بثلث المقاعد في البرلمان. لقد أدى "نصر" الإخوان المسلمين إلى تقويض قدرة "مبارك" في استخدام نفوذ مصر في المنطقة وحد من قدرته على إقناع حماس بتبني موقف معتدل تجاه إسرائيل. كما بعث الضغط الأمريكي على مصر لتبني الديمقراطية برسالة إلى حلفاء واشنطن الآخرين في المنطقة بأن الفائدة التي يمكن أن تجنيها من تحالفها مع الولايات المتحدة ودعم سياستها الخارجية قليلة جداً.

 إن فقدان أو ضعف حلفاء الولايات المتحدة قد لا يكلفها الكثير في مناطق أقل حيوية وأقل استقرارا. ومع ذلك، ففي الشرق الأوسط وفي الوقت الذي يشهد سقوط الولايات المتحدة في المستنقع العراقي، فإن واشنطن بحاجة إلى الاستفادة من جميع الأصدقاء الذين يمكنها اكتسابهم.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات