فرص بناء سياسة خارجية أوروبية مشتركة

  • 22 فبراير 2003

لم يكن مفاجئاً أن يعترف عدد من المسؤولين الأوروبيين بـ" استمرار الخلافات" بين الدول الـ 15 في الاتحاد الأوروبي تجاه سبل التعاطي مع الأزمة العراقية رغم البيان الصادر عن قمة بروكسل الذي حافظ على تفاهم الحد الأدنى بين الدول الأعضاء. والاختلاف أو التباين في وجهات النظر هو بحد ذاته ظاهرة صحية تتفق وروح الديمقراطية ومنطق الحوار، إلا أن ما يلفت الانتباه أن هناك بعض المعطيات التي توحي بأن الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي قابلة للتضخم بما يصعب معه التكهن بإمكانية الاتفاق مستقبلا حول أطر عريضة لسياسة خارجية أوروبية مشتركة. ولعل أبرز ما يلفت الانتباه من عراقيل في هذا الاتجاه هو تصريحات الرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس المفوضية الأوروبية روماني برودي عن "تسرع" دول أوروبا الشرقية المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عقب إعلان هذه الدول دعمها للسياسات الأمريكية حيال العراق، حيث اعتبر الرئيس الفرنسي أن هذه الدول "فوتت فرصة لالتزام الصمت" ما دفع دول أوروبا الشرقية إلى شن حملة مضادة كشفت عمق الخلافات والتباينات الأوروبية.

وأيا كانت نهاية سيناريو الخلافات والحروب الكلامية حول هذه المسألة، فإن المسلم به هو أن ماحدث في بروكسل سيضاعف الشكوك والعراقيل أمام اتفاق دول الاتحاد الأوروبي الموسع على سياسة خارجية مشتركة.

فباستثناء مجال واحد هو السياسة التجارية التي تعود الصلاحية فيها إلى المفوضية الأوروبية في بروكسل والتي تعد استثناء في هذا الميدان، حيث ينظر للاتحاد الأوروبي كقوة عظمى عندما يفاوض باسمه شخص واحد هو باسكال لامي مفوض التجارة الأوروبية في اللقاءات والاجتماعات الدولية، فإن السياسة الخارجية المشتركة هي الغائب الأكبر في أداء المؤسسة الأوروبية المشتركة رغم وجود مفوضية أوروبية للسياسة الخارجية ومسؤول أعلى عن السياستين الخارجية والدفاعية المشتركتين في الاتحاد الأوروبي. ويعتقد المراقبون أن السياسة الخارجية الأوروبية المشتركة غائبة بالفعل حتى على مستوى القضايا الأوروبية الداخلية، ويشار في هذا الإطار إلى أن غياب هذه السياسة قد برز منذ سنوات التسعينيات في أزمات عدة بداية من الأزمة اليوغسلافية وانتهاء بالأزمة الأخيرة بين إسبانيا والمغرب. ومع الأزمة العراقية تجسد التباين الأوروبي بصورة واضحة، فبريطانيا تميل بقوة نحو دعم الحليف الأطلسي الأمريكي وسارت إسبانيا وإيطاليا في الركب ذاته، وعلى النقيض من ذلك تقف ألمانيا وفرنسا التي استعادت عبر أدائها الدبلوماسي في الأزمة العراقية قسطا وافرا من بريق سياستها الخارجية في عهد ديجول.

وهذه التباينات الأوروبية ليست تكتيكية، بل هي تعبير حقيقي عن استراتيجيات متفاوتة وهي دليل على أن السياسات الخارجية القطرية المستقلة مازالت ضرورة في الأداء السياسي لدول قد ترى في أوروبا الموحدة مجرد سوق مشتركة، أو لدول أخرى تراهن على انتظار الوقت المناسب للارتقاء بأوروبا إلى مصاف القوى السياسية الدولية. واللافت أن هذا يأتي في وقت ينظر فيه العالم إلى أوروبا وينتظر منها دورا ذا ثقل استراتيجي على الساحة الدولية.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات